ربما نحتاج بين الحين والآخر إلى ما يذكّرنا بأن غزة لم تعد إلى حياتها الطبيعية رغم الإعلان الهش عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، وأن الإبادة لم تتوقف، بل تبدل شكلها فقط. فبعد أن غابت، جزئيًا، مشاهد القصف اليومي عن الشاشات، بقيت آثار الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وتحولت المأساة من مشهد دموي صاخب إلى واقع إنساني صامت يعيشه أكثر من مليوني إنسان وسط دمار شامل وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة.
فغزة التي واجهت شتاءً قاسيًا أغرقت أمطاره خيام النازحين وكشفت هشاشة أوضاعهم، دخلت بعد ذلك صيفًا حارًا كشف وجهًا آخر من وجوه الكارثة التي خلفتها الحرب. فبعد أكثر من عامين ونصف العام من القتل والتجويع والتشريد، لم يعد الدمار يقتصر على البيوت والطرق والمستشفيات، بل امتد إلى البيئة والصحة العامة. وبين ركام المنازل، وأكوام النفايات، وشبكات الصرف الصحي المعطلة، انتشرت الفئران والجرذان داخل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، في مشهد يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً صغيرًا، لكنه في الحقيقة يعكس حجم الانهيار الذي يعيشه القطاع.
فالفئران والجرذان هنا ليست القضية بحد ذاتها، بل هي أحد أعراض كارثة أكبر، إذ أنها نتيجة طبيعية لبيئة صنعها الدمار والحصار وغياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية. وهي تذكير إضافي بأن الحرب لا تقتل بالصواريخ وحدها، بل تواصل فعلها عبر الجوع والمرض والتلوث وانهيار البنية التحتية، حتى بعد أن تتراجع أصوات الانفجارات.
لكن إذا تجاوزنا مشهد الفئران والجرذان، بل وتجاوزنا مشاهد الدمار كلها، فإننا نصل إلى سؤال أكبر من ذلك كله: كيف استمرت هذه الحرب كل هذا الوقت؟ وكيف تمكنت إسرائيل من مواصلة حرب بهذا الحجم رغم أعداد الضحايا الهائلة، والانتقادات الدولية المتصاعدة، ومشاهد المأساة التي شاهدها العالم يومًا بعد يوم؟
هذا السؤال طرحه مبكرًا الكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي عندما نشر، في 30 تشرين الأول 2023، مقالًا بعنوان "غزة ضد إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا وأوروبا كلها، أي حرب هذه؟". لم يحصر أقطاي المشهد في إطار مواجهة بين إسرائيل وغزة، بل وسع دائرة النظر إلى ما وراء ساحة المعركة، حيث تقف شبكة واسعة من الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، معتبرًا أن فهم الحرب لا يكتمل بالنظر إلى من يقاتل على الأرض فقط، بل أيضًا إلى من يمده بأسباب القوة والاستمرار.
وربما اعتبر البعض آنذاك أن هذا الطرح يحمل شيئًا من المبالغة السياسية، أو أنه جاء متأثرًا بحالة الغضب التي رافقت الأسابيع الأولى للحرب. لكن ما تكشف لاحقًا من وقائع ومعطيات دفع إلى إعادة النظر في هذا التقدير. فالقضية لم تعد تتعلق بالمواقف السياسية أو الزيارات الرسمية أو خطابات الدعم المعلنة، بل بسؤال أكثر أهمية، وهو حجم الدعم الفعلي الذي تلقته إسرائيل خلال الحرب، ومدى مساهمة هذا الدعم في تمكينها من مواصلة القتال وإطالة أمد الحرب رغم حجم الدمار والضحايا والانتقادات الدولية المتصاعدة.
ومع أن الدعم الغربي لإسرائيل كان واضحًا طوال الحرب، فإن الصورة لا تقتصر على الغرب وحده. فقد كشفت تقارير وكتب وشهادات صدرت لاحقًا عن وجود مواقف واصطفافات إقليمية ساعدت أيضًا في فهم ما جرى. ومن أبرزها ما أورده الصحفي الاستقصائي الأمريكي بوب وودورد في كتابه "الحرب" الصادر في تشرين الأول 2024، حيث أشار إلى وجود تقاطعات في المصالح والرؤى بين بعض الأنظمة العربية الحليفة لواشنطن وبين الأهداف الإسرائيلية في الحرب على غزة. ويكشف الكتاب مفارقة لافتة، فبينما كانت الشعوب العربية تعلن تضامنها الواسع مع غزة، كانت بعض الأنظمة تنظر إلى حركات المقاومة الفلسطينية باعتبارها تحديًا سياسيًا وأمنيًا لمصالحها واستقرارها.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية تحقيق الجزيرة الاستقصائي الذي كشف استمرار تزويد إسرائيل بالسلاح من قبل 51 دولة وإقليمًا خلال الحرب، في الأرقام التي عرضها فحسب، بل في أنه أعاد طرح سؤال جوهري حول طبيعة هذه الحرب وحدود الأطراف المنخرطة فيها. فإذا كانت إسرائيل هي من ضغطت على الزناد، فإن الوقائع التي كشفها التحقيق تشير إلى أن هناك شبكة واسعة من الدول والقوى التي واصلت تزويدها بالسلاح والدعم والغطاء السياسي، وأسهمت بدرجات متفاوتة في استمرار الحرب وإطالة أمد المأساة الإنسانية في غزة.
لقد وجدت غزة نفسها، وما تزال، في مواجهة منظومة واسعة كشفت الحرب سريعًا حقيقة مواقفها وحدود شعاراتها. فالوقائع المتراكمة تشير إلى أن غزة لم تكن تواجه إسرائيل وحدها، بل شبكة من المصالح والتحالفات التي التقت، بدرجات متفاوتة، عند هدف واحد هو تمكين إسرائيل من مواصلة حربها.
لكن إذا كان التحقيق قد كشف جانبًا من الجهات التي أسهمت في استمرار الحرب، فإنه يفتح في المقابل بابًا لسؤال آخر لا يقل أهمية: أين الجهود الجادة لكسر الحصار وفتح المعابر وإدخال المساعدات بكل السبل الممكنة؟ فهذه لم تعد مجرد مطالب إنسانية، بل واجب سياسي وأخلاقي عاجل في مواجهة كارثة تطال أكثر من مليوني إنسان.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن متضامنين ومبادرات شعبية قادمة من أقاصي العالم ما زالوا يحاولون الوصول إلى غزة وكسر حصارها، رغم ما يواجهونه من تضييق وتهديد وملاحقة، في حين يبدو أداء كثيرين من أصحاب النفوذ والمسؤولية، بل ومن هم أولى بغزة وأقرب إليها، دون مستوى الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان فيها. وهو ما يزيد من قسوة المشهد ومرارته، إذ إن تقصير من هم أولى بغزة وأقرب إليها يترك في النفس جرحًا لا يقل ألمًا عن الحصار نفسه، بل لعله يدخل في باب ظلم ذوي القربى الذي يبقى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.
المصدر:
كل العرب