أثارت زيارة بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن، ثيوفيلوس الثالث، إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ردود فعل وتساؤلات واسعة، خاصة بعد منحه وسام القبر المقدس، وهو من أرفع الأوسمة التي تمنحها البطريركية.
غياب ردود الفعل
وقال رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأرثوذكسي في إسرائيل، المحامي جواد بولص، لموقع بكرا إن غياب ردود الفعل من الشخصيات الوطنية الأرثوذكسية عقب نشر خبر اللقاء وصوره يثير الكثير من علامات الاستفهام.
وأوضح بولص أن القضية لا تقتصر على بعدها الأرثوذكسي أو المسيحي، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد وطنية وسياسية أوسع. وأضاف أن منح ترمب وسام القبر المقدس في هذه المرحلة يطرح تساؤلات عديدة، خاصة أن الجميع يدرك دور الولايات المتحدة وترمب تحديدا في السياسات التي أفضت إلى كوارث أصابت المسيحيين وغير المسيحيين في الشرق الأوسط، من العراق إلى سوريا وصولا إلى فلسطين. واعتبر أن هذا الصمت مريب وغير مبرر وغير مفهوم بالنسبة للفلسطينيين في الداخل.
وأشار بولص إلى أنه يستهجن غياب موقف واضح من المؤسسات الاجتماعية والسياسية، سواء الأحزاب أو مؤسسات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان. وقال إن هذا الغياب غير المفهوم قد يعكس نوعا من التخاذل المستمر تجاه ما يقوم به ثيوفيلوس ورجاله منذ سنوات طويلة، وما تمثله هذه الزيارة عمليا بالنسبة لهم.
وأضاف أن المؤتمر الأرثوذكسي العربي أصدر بيانا أبدى فيه تحفظه على الزيارة، وتساءل عن أهدافها الحقيقية، وعما إذا كانت المعلومات المنشورة حولها دقيقة. كما تساءل بولص عن أسباب تغييب رجال الدين العرب القادرين على تمثيل الرعية في الأردن وفلسطين وإسرائيل، وعن أسباب تغييب المؤسسات الأرثوذكسية والعامل الفلسطيني عموما.
وأوضح بولص أن المسألة لا تتعلق فقط بتغييب المؤسسة الأرثوذكسية العربية المحلية، بل إن ما نُشر عن الزيارة خلا من أي حديث عن فلسطين وحقوق الفلسطينيين وما يتعرضون له من ظلم وجرائم. وقال إن السؤال الكبير هو: أين كانت فلسطين في هذه الزيارة؟ وأين كانت شخصياتها ومؤسساتها وقياداتها السياسية؟
وأكد بولص أن هذا الحدث مستهجن ويحتاج إلى توضيح، مشيرا إلى أن الزيارة تعبر عن إقصاء ممنهج وتاريخي للرعية العربية. وأضاف أن هذا الإقصاء نابع من شعور بالاستعلاء لدى القيادات اليونانية التي تدير الكنيسة، ومن استبعادها العملي للرعية العربية وعدم إشراكها في الإدارة أو في صنع القرار داخل هذه المؤسسة.
دون علم الرهبان
بدوره، قال الباحث في شؤون الأوقاف الأرثوذكسية، أليف صباغ، لموقع بكرا إن اللقاء جرى بصورة مفاجئة للجميع، حتى إن الرهبان في البطريركية لم يكونوا على علم به.
وأضاف صباغ أن اللقاء جاء في يوم غاب فيه البطريرك عن مناسبة تُعرف بـ"عيد الدير"، وهي مناسبة دينية خاصة بهذا الدير تحديدا، وكان من المفترض ألا يغيب عنها البطريرك. وأشار إلى أن غيابه أثار استغراب الجميع، إذ لم يكن أحد يعرف إلى أين ذهب، قبل أن يتبين بعد أيام أنه كان في لقاء مع ترمب.
وقال إن توقيت اللقاء كان سيئا، ليس فقط بسبب تزامنه مع عيد الدير، بل أيضا بسبب شخصية ترمب وما ارتبط باسمه من سياسات وأحداث دامية في مناطق مختلفة من العالم، منها إيران ولبنان وفلسطين، ومناطق أخرى عانت من سفك دماء الشعوب، بما في ذلك الشعب الفلسطيني.
وتساءل صباغ: ما الذي يدفع إلى منح ترمب وسام القبر المقدس، وهو أعلى وسام تمنحه البطريركية؟ واعتبر أن منحه هذا الوسام غير مبرر، وأنه لا يستحق مثل هذا التكريم.
وأضاف أن الأمر الثالث الذي يثير التساؤلات هو الطابع السري للقاء، متسائلا عن سبب هذه الزيارة المفاجئة التي لم يكن أحد على علم بها، ثم صدور بيان يقول إن الهدف منها كان مناقشة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط. وقال إنه إذا كان الهدف فعلا حماية المسيحيين، فلا يمكن فصل ترمب عن السياسات التي أدت إلى الإساءة للمسيحيين ووقوع مجازر بحقهم، فضلا عن الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون في القدس.
وأكد صباغ أن بيانات البطريركية غالبا ما تكون غير دقيقة، ولذلك لا يعتقد أن البيان الصادر حول اللقاء يعكس حقيقة ما جرى. ورأى أنه بيان تضليلي لا يخدم مصالح المسيحيين ولا يحافظ على وجودهم، مرجحا وجود أمور أخرى تُدار بعيدا عن الأضواء، جرى تغليفها بعناوين تبدو مقبولة للرأي العام.
وأشار صباغ إلى أن التوقيت كان خاطئا، والمناسبة غير مناسبة، والشخص الذي جرى اللقاء معه غير مناسب أيضا. كما اعتبر أن بيان اللجنة التنفيذية كان ضعيفا، وأن الاكتفاء بإبداء التحفظ لا يكفي، بل كان ينبغي التأكيد بوضوح أن هذا البطريرك لا يمثل المسيحيين العرب، ولا المسيحيين الفلسطينيين، ولا أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين والأردن.
واعتبر صباغ أن البطريرك اليوناني ذهب ضمن ترتيبات سياسية، وأن هذه الترتيبات لم تكن في أي وقت من الأوقات لصالح الشعب الفلسطيني أو لصالح أبناء الطائفة الأرثوذكسية.
وقال إنه لو اصطحب معه ممثلين عربا من أبناء الطائفة الفلسطينية أو الأردنية للتحدث باسم المسيحيين العرب، ونقل معاناتهم وهمومهم، لكان بالإمكان فهم الزيارة بصورة مختلفة.
واختتم صباغ بالقول إن هناك شخصيات مسيحية كثيرة قادرة على الحديث باسم المسيحيين العرب والفلسطينيين والأردنيين، وتمتلك المعرفة الدقيقة والتفاصيل اللازمة، ولا حاجة لأن يتحدث البطريرك نيابة عنها. وأضاف أن دور البطريرك الديني ينبغي أن يبقى في إطار رسالته الروحية والدينية.
اهداف الزيارة؟
من جانبه، تساءل الناشط في الحراك الأرثوذكسي ضد تسريب الأوقاف، أسعد داود، عن أهداف الزيارة، قائلا: هل يُعقل أن يكون ثيوفيلوس وترمب حريصين على المسيحية في الشرق الأوسط؟
وأضاف داود أن ثيوفيلوس باع أملاك الكنيسة، وهمّش العرب، ومنعهم من التقدم والتطور، مشيرا إلى أن اللجان المحلية تُعد من أفقر اللجان الكنسية في البلاد، ومتسائلا: هل هذا يصب في مصلحة المسيحية؟
وأوضح داود أن ثيوفيلوس حليف لترمب، وأنهما يقفان في جبهة واحدة إلى جانب الغرب والصهيونية المتطرفة.
وأضاف أن ترمب والرؤساء الأمريكيين السابقين لم يُظهروا اهتماما حقيقيا بالمسيحيين، مستشهدا بما جرى خلال الحربين على العراق، وما نتج عنهما من تهجير أعداد كبيرة من المسيحيين، وكذلك بما حدث في سوريا ولبنان، حيث أدت السياسات والصراعات إلى تراجع الوجود المسيحي وإثارة الفتن والانقسامات.
وأشار داود إلى أن ترمب يمر بمرحلة سياسية صعبة، وأن هذه الزيارة قد تكون محاولة لتحسين صورته، متسائلا عما إذا كانت هناك أيضا مصالح أو صفقات اقتصادية مرتبطة بها.
وأضاف أن توقيت الزيارة يثير تساؤلات عديدة، خاصة أنها جاءت في الخامس من حزيران، وهو تاريخ يرتبط بالسيطرة على القدس عام 1967.
كما أشار داود إلى أن ترمب اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعلن نقل السفارة الأمريكية إليها عام 2017، قبل تنفيذ القرار فعليا عام 2018، متسائلا عن دلالات منحه وسام الصليب الأكبر في هذا التوقيت.
المصدر:
بكرا