تصاعد الخلاف بين مركبات الأحزاب العربية حول إعادة تشكيل القائمة المشتركة، عقب اجتماع عُقد اليوم الأحد في مدينة الناصرة بمشاركة لجنة الوفاق الوطني، في ظل تباين واضح بين الأطراف بشأن طبيعة القائمة المقترحة: هل تكون قائمة تقنية تحفظ استقلالية كل حزب، أم إطارًا سياسيًا يحمل تفاهمات ملزمة حول مرحلة ما بعد الانتخابات.
ويتركز الخلاف الحالي حول وظيفة القائمة في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ما يتعلق بالتعامل مع الحكومة القادمة، وحدود الالتزام السياسي بين الأحزاب المشاركة فيها. ففي حين تدفع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والعربية للتغيير، باتجاه قائمة تقنية تقوم على خوض الانتخابات ضمن إطار موحد مع الحفاظ على استقلالية كل حزب، تتمسك القائمة العربية الموحدة بضرورة التوصل إلى تفاهمات سياسية واضحة تحدد كيفية العمل بعد الانتخابات، ولا سيما في ملف إسقاط حكومة اليمين ومنع عودتها إلى الحكم.
الجبهة: المضمون مقلق
وقال سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أمجد شبيطة، إن الاجتماع جرى في أجواء إيجابية من حيث الشكل، إلا أن مضمونه أثار قلق الجبهة، معتبرًا أن الموحدة طرحت مطالب وتعهدات لا يمكن لأي حزب الالتزام بها مسبقًا، خصوصًا في ما يتعلق بضمان استقرار حكومة مستقبلية لا تُعرف طبيعتها ولا تركيبتها ولا برنامجها.
وأضاف شبيطة أن الجبهة، إلى جانب التجمع والعربية للتغيير، أبدت استعدادًا للموافقة على قائمة تقنية رغم الخلافات السياسية القائمة، بهدف تذليل العقبات أمام إعادة تشكيل المشتركة. واعتبر أن الطرح الذي قدمته الموحدة يعيد النقاش إلى نقطة الخلاف الأساسية، لأنه يتجاوز فكرة القائمة التقنية نحو التزامات سياسية مسبقة.
في المقابل، أكد رئيس القائمة العربية الموحدة، د. منصور عباس، أن الأطراف باتت "قاب قوسين أو أدنى" من إتمام المرحلة الأولى لإقامة القائمة المشتركة، في إشارة إلى أن الاتصالات ما زالت مستمرة وأن إمكانية التوصل إلى اتفاق لم تُغلق بعد.
الموحدة: نعرف ماذا نريد
وفي بيان لاحق، ردت الموحدة على ما وصفته بموقف "الثلاثية"، في إشارة إلى الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، وقالت إن الفرق الجوهري بينها وبين الأطراف الأخرى في المفاوضات هو أنها "تقول وتعي ماذا تريد"، معتبرة أن ذلك ينسجم مع نهجها السياسي لأنها "لا تعمل بنفسية المعارضة".
وأضافت الموحدة أنها جاءت إلى المفاوضات وهي تعرف ما تريد، وطرحت قائمة بنود، منها ما هو ملزم بشكل كامل، ومنها ما هو بمثابة تفاهمات أو بنود مفتوحة للتفاوض. في المقابل، قالت إن الأطراف الأخرى لا تعرض تصورًا واضحًا لما تريده، بل تكتفي بمعارضة بند هنا أو جزء من بند هناك، من دون تقديم بديل سياسي متكامل.
وأكدت الموحدة أنها تتفق مع بقية الأحزاب على ضرورة تشكيل المشتركة بهدف إسقاط نتنياهو، لكنها تساءلت إن كان إسقاطه سيبقى مجرد شعار كما في السابق. وقالت إنها تتحدث من موقع تجربة عملية، بعدما شاركت في حكومة التغيير، بينما اتهمت الأحزاب الأخرى بأنها ساهمت، من خلال مواقفها البرلمانية، في إسقاط تلك الحكومة بالتعاون مع نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
وشددت الموحدة على أن إعادة تشكيل المشتركة لا يمكن أن تتم من دون تفاهمات تضمن منجزات المجتمع العربي ومصلحته، وسألت إن كان من المعقول استبدال نتنياهو من دون بحث مسألة التوصية على بديل مثل نفتالي بينيت أو غادي آيزنكוט. وأضافت أن السياسة الإسرائيلية لا تحتمل بيع الناس شعارات أو إيهامهم بوجود خيارات خفية وغير واقعية.
ودعت الموحدة الأطراف الأخرى إلى تفهم مطالبها وتوسيع هامش النقاش وترك "الأنا" جانبًا، مؤكدة أن المهم ليس فقط الإعلان عن الرغبة في إقامة المشتركة كي لا يلام أي طرف شعبيًا، بل توضيح كيف ستعمل هذه القائمة، وكيف ستسهم في استبدال حكومة اليمين وإبقائها في المعارضة. وختمت بيانها بالقول: "قل لنا ما تريد، لا تعارض من أجل المعارضة فقط".
التجمع: ضرورة العمل على برنامج مشترك
من جهته، كان التجمع الوطني الديمقراطي قد أصدر بيانًا عبّر فيه عن قلقه من استمرار المماطلة في مفاوضات إقامة القائمة المشتركة، رغم التقدم الذي تحقق خلال الأسابيع الأخيرة والتنازلات التي قُدمت من أجل الوصول إلى اتفاق.
وقال التجمع إنه كان يفضل إقامة قائمة مشتركة على أساس اتفاق سياسي وبرنامج مشترك، لكنه أبدى استعدادًا واضحًا لإقامة قائمة تقنية تحفظ استقلالية جميع الأحزاب وخصوصيتها السياسية والتنظيمية. وأضاف أن البيان الثلاثي الصادر عن الجبهة والتجمع والعربية للتغيير شكّل أساسًا واقعيًا للتقدم نحو إنجاز الاتفاق.
واعتبر التجمع أن طرح التزامات سياسية مسبقة، تتعلق بموقف الأحزاب من الحكومة القادمة أو شكل المعارضة لها، يتناقض مع مبدأ القائمة التقنية ويمس باستقلالية الأحزاب. ورأى أن العودة إلى هذه الشروط تعرقل المفاوضات وتعيدها إلى نقطة البداية.
أما العربية للتغيير، التي شاركت في البيان الثلاثي، فتتموضع ضمن الأطراف التي قبلت بفكرة القائمة التقنية كصيغة عملية لإعادة بناء المشتركة، رغم الخلافات السياسية بين الأحزاب. ويُفهم من هذا الموقف أنها ترى في القائمة التقنية مخرجًا لتوحيد التمثيل العربي من دون فرض برنامج سياسي موحد على جميع المركبات.
وتكشف هذه التطورات أن الخلاف بين الأحزاب العربية لم يعد محصورًا في شكل القائمة أو توزيع المقاعد، بل بات يدور حول سؤال سياسي أوسع: هل تكون المشتركة إطارًا انتخابيًا موحدًا فقط، أم تتحول إلى إطار سياسي ملزم في القضايا الكبرى بعد الانتخابات؟
وتحاول لجنة الوفاق الوطني دفع الأطراف نحو اتفاق نهائي، في ظل ضغوط شعبية متزايدة لإعادة تشكيل القائمة المشتركة وتوحيد التمثيل السياسي العربي قبل الانتخابات المقبلة. وقد جرى الاتفاق على سقف زمني حتى نهاية الأسبوع الجاري لاستكمال النقاشات واتخاذ قرارات حاسمة بشأن مصير القائمة.
المصدر:
بكرا