لم تكن قضية قتل رنين رحال، الشابة البالغة 19 عامًا من بلدة الزرازير، جريمة عادية في نظر النيابة العامة. كانت قضية جمعت بين العنف الأسري، التحذيرات التي سبقت الجريمة، الخوف داخل العائلة، وتواطؤ الصمت الذي كاد يطمس الحقيقة. في 12 كانون الثاني 2016، اتصلت رنين بالشرطة وقالت إنها مهددة وتحتاج إلى المساعدة. بعد ساعات فقط، عُثر على جثتها محروقة في منطقة حرجية قرب حنتون.
بحسب ما عرضته النيابة أمام المحكمة، فإن شقيقها حسين رحال خطفها، واقتادها إلى منطقة معزولة، ثم ضربها بمطرقة على رأسها مرارًا حتى حطّم جمجمتها، وسكب عليها مادة قابلة للاشتعال وأحرق جسدها. وأظهرت التقارير الطبية أنها تلقت ما لا يقل عن 11 ضربة بالمطرقة، فيما لم تستبعد المعطيات أنها كانت لا تزال على قيد الحياة حين أُضرمت النار في جسدها.
خمسة اشهر قبل القتل
القضية لم تبدأ في تلك الليلة. قبل الجريمة بخمسة أشهر، في آب 2015، لاحق حسين شقيقته رنين في نوف هجليل، وهددها، ثم صدمها بمركبته وأصابها في ساقها. صدر بحقه أمر حماية، لكنه لم يُعتقل، وبقي الخطر قائمًا. يقول المحامي وئام قبلاوي، الذي أدار الملف باسم النيابة العامة في لواء الشمال، إن "كل علامات التحذير كانت موجودة"، وإن رنين عاشت بين رغبتها في إدارة حياتها كما تريد وبين ضغط العائلة والمجتمع الذي حاول فرض قيوده عليها.
في يوم مقتلها، وصلت الشرطة إلى المكان الذي كانت فيه بعد اتصالها. طلب منها عناصر الشرطة مرافقتهم إلى المحطة لتقديم إفادة والانتقال إلى مكان آمن، بل عُرض عليها الدخول إلى ملجأ للنساء المعرضات للخطر. لكنها رفضت. وبحسب النيابة، لم يكن بإمكان الشرطة إجبارها على المغادرة لأنها كانت بالغة. بعد ساعات، نفذ حسين ما كان يخطط له.
وتشير تفاصيل الملف إلى أن حسين جهّز أدوات الجريمة مسبقًا، بينها مطرقة، وسلك، ومادة حارقة وضعها في مركبته. استدرج شقيقته الأخرى رنا إلى لقاء في محطة وقود، واستعان بأقارب لمراقبة المكان والتأكد من عدم وجود الشرطة. ثم تم تحديد مكان رنين في منطقة المشهد، حيث كانت برفقة أصدقاء، وخُطفت بالقوة رغم مقاومتها. بعد ذلك انحرفت المركبة نحو منطقة حرجية معزولة قرب حنتون، وهناك توسلت رنين إلى شقيقها أن يتركها، لكنه واصل الاعتداء عليها حتى فارقت الحياة.
الروايات المتضاربة لشقيقتها
المهمة الأصعب أمام النيابة لم تكن فقط إثبات القتل، بل تفكيك جدار الصمت العائلي. في البداية، قدمت رنا شقيقة رنين روايات متضاربة. قالت مرة إن ملثمين قتلوا شقيقتها، ثم وصلت إلى مركز الشرطة وادعت أنها هي التي ضربت رنين بالمطرقة. لكنها لم تكن القاتلة. لاحقًا، وخلال حديثها مع مدوِّبة داخل المعتقل، قالت إنها اعترفت كذبًا لحماية شقيقها، لأنه الابن الوحيد في العائلة والمعيل الأساسي. ثم جاءت اللحظة الحاسمة في المحكمة، حين انهارت رنا خلال شهادتها، وأشارت إلى حسين قائلة إن من قتل رنين هو هو.
لم تكن هناك كاميرات في موقع الجريمة، ولم يكن هناك شهود مستقلون. كثيرون ممن حضروا أو عرفوا تفاصيل القضية امتنعوا عن قول الحقيقة، أو قدموا روايات متضاربة، أو ادعوا النسيان. لذلك اعتمدت النيابة على تركيب أجزاء كثيرة من الأدلة، بينها كاميرات مراقبة، ومسارات سفر، وتحقيقات متقاطعة، ومواجهات بين المشتبهين، إلى أن اكتملت الصورة.
رفضت النيابة التوصل إلى صفقة ادعاء، لأنها رأت أن لا أحد في العائلة يقف للمطالبة بالعدالة باسم رنين. وقال قبلاوي إن الملف حمل واجبًا خاصًا، لأن الضحية لم تجد من يتحدث باسمها أو يرفع صوتها. وفي نهاية المسار، أدين حسين رحال بالقتل، ورفضت المحكمة العليا استئنافه.
كتبت المحكمة العليا في قرارها أن جلسات الاستئناف في قضايا القتل تشهد عادة حضور أحد أفراد عائلة الضحية، يتحدث بصوت مرتجف وعيون دامعة عن الفقدان، لكن في قضية رنين لم يكن هناك من يتحدث باسمها أو يسمع صوتها. ثم ختمت المحكمة بالقول إن الحكم سيبقى شاهدًا لذكرى شابة "كل ما طلبته كان حريتها".
المصدر:
بكرا