آخر الأخبار

الجماهير العربية في إسرائيل: من جرح التاريخ إلى مأزق الحاضر وسؤال القيادة

شارك

كاتب المقال: المحامي نايف أبو صويص

كيف تحوّل العرب في إسرائيل من أصحاب أرض وذاكرة وامتداد تاريخي إلى أقلية تبحث عن الأمن، والمساواة، والاعتراف، والقيادة؟ وكيف يمكن فهم واقعهم اليوم دون العودة إلى الجذر التاريخي الذي صنع هذه المعادلة المعقدة؟

لا يمكن فهم واقع الجماهير العربية في إسرائيل اليوم من خلال قراءة اللحظة الراهنة وحدها، ولا من خلال الاكتفاء بوصف الأزمات اليومية التي يعيشها المواطن العربي في الداخل. فالعنف، وضائقة السكن، وأزمة التخطيط، وضعف السلطات المحلية، وتراجع الثقة بالتمثيل السياسي، ليست ظواهر منفصلة عن سياقها التاريخي والسياسي، بل هي امتداد لمسار طويل بدأ منذ بدايات القرن العشرين، ومرّ بالانتداب البريطاني، وصعود المشروع الصهيوني، ونكبة عام 1948، ثم تشكّل دولة إسرائيل وسياساتها تجاه من بقي من الفلسطينيين داخل حدودها.

نحن، الجماهير العربية في الداخل، لسنا حالة عابرة في هذه البلاد، ولسنا جماعة بلا جذور أو ذاكرة أو انتماء. نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ومن الأمة العربية والإسلامية، نحمل في وعينا تاريخًا طويلًا من الوجود، والصمود، والمعاناة، ومحاولات البقاء فوق أرضنا رغم كل التحولات العاصفة التي مرّت على المنطقة.

ومن هنا، فإن سؤال الجماهير العربية في إسرائيل ليس سؤال خدمات فقط، ولا سؤال تمثيل برلماني فقط، بل هو سؤال وجود، وحقوق، وهوية، ومواطنة، وقيادة، ومستقبل.

أولًا: الجذر التاريخي وبدايات التحول

لكي نفهم واقعنا اليوم، لا بد أن نعود إلى بدايات القرن العشرين، وتحديدًا إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين دخلت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وبدأت معالم المشروع الصهيوني تتبلور بدعم سياسي ومالي وتنظيمي واسع، خصوصًا من أوروبا.

وقد شكّل وعد بلفور محطة مفصلية في هذا المسار، إذ منح الحركة الصهيونية غطاءً سياسيًا دوليًا، وفتح الباب أمام الهجرة اليهودية المنظمة، وشراء الأراضي، وبناء المؤسسات، وتأسيس بنية اقتصادية وسياسية واجتماعية موازية داخل فلسطين.

ومنذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بدأت ملامح الصدام تتضح بين الشعب الفلسطيني والانتداب البريطاني من جهة، وبين المشروع الصهيوني الآخذ بالتمدد من جهة أخرى. لم تكن المواجهة مجرد صراع على قطعة أرض هنا أو هناك، بل كانت صراعًا على هوية البلاد ومستقبلها.

وفي المقابل، كان المشروع الصهيوني يبني نفسه بخطوات مدروسة: مؤسسات، صناديق، أراضٍ، مستوطنات، تنظيمات، ودعم مالي كبير من يهود أوروبا والعالم. وقد لعبت مؤسسات مثل “كاكال” دورًا في شراء الأراضي وتثبيت الوجود اليهودي، إلى جانب أموال ودعم عائلات يهودية ثرية ومؤثرة، مثل عائلة روتشيلد وغيرها.

هذه المرحلة لم تكن عابرة، بل أسست للفارق الكبير بين شعب فلسطيني كان يواجه الانتداب والهجرة المنظمة وأدوات المشروع الصهيوني بإمكانات محدودة ومشتتة، وبين حركة صهيونية كانت تبني مؤسساتها المستقبلية قبل قيام الدولة نفسها. ومن هنا بدأت الفجوة: طرف يبني مشروع دولة، وطرف يُدفع تدريجيًا إلى الدفاع عن أرضه ووجوده وهويته.

ثانيًا: 1948 وتحول الفلسطينيين الباقين إلى أقلية

ثم جاءت حرب عام 1948، لتكون نقطة التحول الكبرى في تاريخ الشعب الفلسطيني. ففي تلك الحرب، هُجّر معظم الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه، وأُقيمت دولة إسرائيل على أنقاض نكبة كبرى ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

ومن بقي من الفلسطينيين داخل حدود الدولة الجديدة، وجد نفسه فجأة أقلية في وطنه، محاصرًا بين ذاكرته الفلسطينية، وواقعه القانوني الجديد، ومؤسسات دولة لا تتعامل معه باعتباره صاحب حق أصيل في البلاد، بل كثيرًا ما نظرت إليه بعين الشك والريبة، وكأنه خطر أمني أو “طابور خامس”.

ومن هنا بدأت المعادلة الصعبة: عرب بقوا في وطنهم، لكن الدولة لم تبنِ علاقتها معهم على قاعدة المساواة التاريخية والمدنية، بل على قاعدة السيطرة، والاحتواء، والمراقبة، والتهميش. وبينما كانت إسرائيل تبني مؤسساتها وتطوّر بلداتها اليهودية وتوسّع بنيتها التحتية والاقتصادية، بقيت البلدات العربية تعاني من الإهمال، وضيق مسطحات البناء، ومصادرة الأراضي، وضعف التخطيط، وغياب الاستثمار الحقيقي.

ومع قيام الدولة، لم تكن الفجوة بين العرب واليهود مجرد فجوة اقتصادية أو خدماتية، بل كانت فجوة في النظرة والمكانة. فالمواطن اليهودي كان يُرى جزءًا من مشروع الدولة وهويتها، بينما كان المواطن العربي يُعامل في كثير من الأحيان كوجود يجب مراقبته وإدارته. وهكذا نشأت علاقة غير متوازنة بين الدولة ومواطنيها العرب: علاقة تقوم على المواطنة من حيث الشكل، لكنها ناقصة في الجوهر عندما يتعلق الأمر بالأرض، والتخطيط، والميزانيات، والتمثيل، والثقة، والاعتراف بالرواية التاريخية.

ثالثًا: الحراك السياسي العربي بين الهوية والمواطنة

في ظل هذا الواقع، بدأ الحراك السياسي العربي يتشكل داخل الداخل الفلسطيني. كان للحزب الشيوعي حضور مبكر ومؤثر، خاصة في الدفاع عن الحقوق المدنية والقومية للعرب، ثم ظهرت لاحقًا تيارات قومية ووطنية مختلفة، ومع مرور الوقت نشأت الحركة الإسلامية في أواخر السبعينيات، بجناحيها الدعوي والسياسي، لتضيف بعدًا دينيًا واجتماعيًا إلى الحراك العربي.

كما حاول قسم من العرب الانخراط في الأحزاب اليهودية، بحثًا عن التأثير من الداخل، إلا أن التجربة أثبتت في كثير من الأحيان أن هذا الانخراط لم يغيّر جوهر العلاقة بين الدولة والجماهير العربية، ولم يمنع استمرار التمييز في الأرض، والمسكن، والميزانيات، والتخطيط، والتطوير.

وبين عام 1948 واليوم، مرّت المنطقة بحروب ومحطات كبرى تركت أثرها المباشر على العرب في الداخل. حرب 1956 عمّقت الشعور بالخوف والرقابة؛ وحرب 1967 أعادت التواصل بين عرب الداخل وبقية الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة؛ وحرب 1973 كشفت هشاشة المنطقة واستمرار الصراع؛ واجتياح لبنان عام 1982 أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بدماء جديدة؛ والانتفاضة الأولى أعادت نبض الشارع الفلسطيني؛ أما أحداث أكتوبر 2000 فشكّلت جرحًا عميقًا في علاقة العرب بالدولة؛ ثم جاءت حروب غزة المتكررة، وصولًا إلى السابع من أكتوبر وما بعده، لتزيد التوتر، وتكشف مرة أخرى أن الجماهير العربية في الداخل تدفع ثمن هويتها وموقعها بين الدولة والشعب الفلسطيني.

وهكذا، لا يمكن فهم وضع الجماهير العربية في إسرائيل اليوم من دون هذا السياق التاريخي الطويل. فنحن لم نصبح أقلية بإرادتنا، ولم نفقد الأرض والمساحة والتأثير صدفة، ولم تنشأ أزماتنا في السكن، والعنف، والتعليم، والعمل، والسياسة من فراغ. إنها نتيجة مسار طويل بدأ منذ الانتداب، وتعزز مع قيام الدولة، واستمر عبر سياسات رسمية ومؤسساتية لم تتعامل معنا كأصحاب وطن وحق، بل كجماعة يجب ضبطها وإدارتها بدل إنصافها والاعتراف الكامل بمكانتها.

رابعًا: من التاريخ إلى مأزق الحاضر

من هذا التاريخ نصل إلى الحاضر. فالجماهير العربية في الداخل تعيش اليوم حالة اجتماعية وسياسية معقدة. فمن جهة، نحن مجتمع يملك طاقات هائلة، وشبابًا متعلمًا، ورجال أعمال، وأكاديميين، ومهنيين، ونساءً ورجالًا قادرين على بناء مستقبل مختلف. ومن جهة أخرى، ما زال هذا المجتمع محاصرًا بين ضعف التمثيل السياسي، وتراجع الثقة بالقيادات، وتفاقم الأزمات اليومية التي تمس حياة الناس مباشرة.

لقد انشغل التمثيل السياسي العربي، في مراحل كثيرة، بالخطابات القومية الكبيرة، وبالشعارات العامة، وبالمواقف الرمزية، دون أن ينجح بالقدر الكافي في تحويل هذه المواقف إلى إنجازات عملية في قضايا الناس اليومية: السكن، الأرض، التخطيط، التعليم، العنف، العمل، المواصلات، السلطات المحلية، المناطق الصناعية، وفرص التطور الاقتصادي.

ولا يعني ذلك أن القضايا القومية ليست مهمة، فنحن جزء من شعب وقضية، ولا يمكن أن نتخلى عن هويتنا وانتمائنا. لكن الخلل وقع حين تحوّل الخطاب القومي إلى بديل عن العمل المدني اليومي، بدل أن يكون سندًا له ورافعةً لخدمة الناس.

وهنا وجدت الدولة فرصة مريحة. فبدل أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه مواطنيها العرب، استغلت هذا الفراغ، بل ساهمت في تعميقه. تركت البلدات العربية تواجه أزماتها وحدها، ثم تعاملت مع نتائج الإهمال وكأنها مشكلة داخلية في المجتمع العربي فقط، لا نتيجة سياسات طويلة من التمييز، والتخطيط الناقص، وغياب الاستثمار، وضعف تطبيق القانون بصورة عادلة ومتوازنة.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نقول إن الجماهير العربية، رغم كل الذاكرة الصعبة، لا تحمل مشروع صدام مع الدولة، بل مشروع حياة كريمة داخل وطنها. فالعرب في إسرائيل لا يبحثون عن مواجهة دائمة، ولا يهددون وجود الدولة، ولا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في العيش بأمن، وكرامة، ومساواة، وتطور. فالعربي في الداخل يريد بيتًا آمنًا، وشارعًا آمنًا، ومدرسة جيدة لأبنائه، وفرص عمل محترمة، وبلدة متطورة، ومؤسسات تتعامل معه كمواطن كامل الحقوق، لا كملف أمني أو حالة استثنائية.

ورغم التخوفات الأمنية التي كثيرًا ما حكمت نظرة بعض مؤسسات الدولة إلى العرب، فإن الواقع اليوم يثبت أن العرب في إسرائيل نجحوا في مجالات كثيرة، وساهموا في نمو الاقتصاد العام، وفي قطاعات الطب، والصيدلة، والتعليم، والبناء، والهندسة، والتجارة، والخدمات، والجامعات، والمهن الحرة. هؤلاء ليسوا عبئًا على الدولة، بل طاقة بشرية واقتصادية واجتماعية كبرى، كان يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء مستقبل أفضل للجميع.

ولا أرى سببًا حقيقيًا يمنع دمج العرب بصورة أوسع وأعمق في مؤسسات الدولة، وفي الوزارات، وفي مراكز التخطيط، وفي دوائر اتخاذ القرار، وفي الشركات الحكومية، وفي المواقع التي تصنع السياسات العامة. فالمواطنة لا تكتمل بصندوق الاقتراع وحده، بل تكتمل حين يكون المواطن شريكًا في تحديد السياسات التي تمس حياته ومستقبله.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن القضايا المحلية والمدنية تشغل المواطن العربي في حياته اليومية أكثر مما يتصور كثيرون. صحيح أن العربي في الداخل يحمل هويته الفلسطينية والعربية والإسلامية، ويتأثر بما يجري في المنطقة، لكنه في نهاية اليوم يريد أن يعرف أين سيبني ابنه بيتًا، وكيف سيصل إلى عمله، وهل مدرسته آمنة، وهل شارعه مضاء، وهل الشرطة تحميه، وهل أرضه محفوظة، وهل ميزانيات بلدته عادلة. هذه ليست مطالب تهدد الدولة، بل مطالب تصنع الاستقرار، وتبني الثقة، وتفتح باب الشراكة بدل الخوف والشك.

خامسًا: العنف والجريمة ومسؤولية الدولة

مع مرور الوقت، تحوّل العنف والجريمة إلى الهمّ اليومي الأكبر في المجتمع العربي. وهذه مأساة حقيقية لا يمكن التقليل من خطورتها. لكن لا يمكن الحديث عن العنف والجريمة بمعزل عن مسؤولية حكومات إسرائيل المتعاقبة.

فالدولة التي تملك أجهزة الأمن، والشرطة، والاستخبارات، والقدرة على جمع السلاح، وملاحقة عصابات الإجرام، وتجفيف منابع المال الأسود، تستطيع، إذا توفرت الإرادة السياسية الجدية، أن تقلّص شلال الدم بصورة كبيرة، وأن تضرب بنية الجريمة المنظمة في المجتمع العربي. غير أن الواقع يشير إلى أن هذا الملف لم يُعامل دائمًا بالجدية الكافية، ولم يحظَ بالمستوى ذاته من الحزم والموارد الذي نراه عندما يتعلق الأمر بأمن المواطن اليهودي.

وهنا تكمن المشكلة: حين يشعر المواطن العربي أن دمه لا يحظى بالاهتمام ذاته، وأن أمنه الشخصي ليس أولوية وطنية عليا، تتعمق فجوة الثقة بينه وبين الدولة ومؤسساتها. ومع استمرار العنف، يصبح المجتمع العربي منشغلًا بخوفه الداخلي، وبجنازاته اليومية، وبالبحث عن أمنه الشخصي، بدل أن ينظم نفسه سياسيًا واجتماعيًا للمطالبة بحقوقه القومية والمدنية.

فمجتمع غارق في الدم والخوف يصبح أضعف في مواجهة التمييز، وأقل قدرة على المطالبة بالأرض والمسكن والميزانيات والتخطيط والمساواة. ولذلك، فإن مواجهة العنف ليست قضية شرطية فقط، بل قضية سياسية ومدنية وأخلاقية، تتعلق بمكانة المواطن العربي في الدولة، وبمدى استعداد الدولة للتعامل معه كمواطن كامل الحقوق لا كملف هامشي أو أمني.

سادسًا: إسرائيل المتغيرة وغياب اليسار وصعود اليمين

في الوقت نفسه، تغيّرت إسرائيل نفسها. إسرائيل بعد أكتوبر 2000 لم تعد كما كانت قبلها، وإسرائيل بعد السابع من أكتوبر وحرب غزة لم تعد كما كانت قبل ذلك. لقد تعمّقت الشروخ، وازداد الشك، وارتفع منسوب التحريض، وتراجعت مساحات الحوار السياسي، وانتهى تقريبًا الدور التاريخي لليسار الإسرائيلي كقوة قادرة على التأثير أو طرح بديل حقيقي.

لم يعد اليسار الإسرائيلي يحمل مشروعًا واضحًا للسلام والمساواة، ولم يعد قادرًا على كبح اليمين أو فتح أفق سياسي مختلف. ومع غياب اليسار، تمدد اليمين، ثم صعد اليمين المتطرف، وفرض لغته على الدولة والمجتمع. لم يعد الحديث يدور فقط عن خلاف بين يمين ويسار، بل عن انتقال مركز الثقل في إسرائيل نحو خطاب القوة، والسيطرة، والتحريض، والاستيطان، وتقليص مساحة الحقوق.

وهذا التحول انعكس مباشرة على العرب في الداخل، وعلى الفلسطينيين في الضفة وغزة، لأن الدولة التي تتحرك يمينًا تصبح أقل استعدادًا للاعتراف، وأقل استعدادًا للمساواة، وأكثر ميلًا إلى التعامل الأمني مع كل ما هو فلسطيني وعربي.

سابعًا: مرحلة نتنياهو وإعادة تشكيل السياسة الإسرائيلية

في هذا السياق جاءت فترة بنيامين نتنياهو كمرحلة مفصلية في السياسة الإسرائيلية. لم يكن نتنياهو مجرد رئيس حكومة عابر، بل نجح في إعادة تشكيل الحياة السياسية حول شخصه، وصناعة نموذج يقوم على الولاء الشخصي، وإضعاف المؤسسات، وتهميش الشخصيات البارزة، وجمع المحيطين به ممن يقولون “نعم” دون نقاش حقيقي.

وبهذا نشأ نمط سياسي جديد جعل جزءًا كبيرًا من جمهوره يتحرك خلفه بلا مساءلة، وكأن السياسة لم تعد مشروع دولة ومؤسسات، بل مشروع زعيم واحد يحدد الاتجاه والباقون يسيرون وراءه.

وقد ترافق هذا التحول مع اتساع نفوذ اليمين المتطرف، وتوفير غطاء سياسي وأخلاقي لتيارات استيطانية متشددة في الضفة الغربية. فالمستوطنون المتطرفون لم يعودوا مجرد جماعات هامشية تتحرك على أطراف المشهد، بل صار لهم حضور ونفوذ ودعم سياسي داخل مؤسسات الحكم. وهكذا أصبح الاستيطان أكثر جرأة، وأصبح العنف في الضفة أكثر وضوحًا، وأصبحت فكرة حل الدولتين أبعد من أي وقت مضى، حتى بات من يتحدث عنها يُعامل في نظر كثيرين وكأنه يتحدث بلغة من زمن آخر.

هذا التحول لم يكن بعيدًا عن العرب في الداخل. فحين تتراجع السياسة الإسرائيلية إلى خطاب القوة، والتحريض، واليمين المتطرف، يصبح المواطن العربي أول من يدفع الثمن. وحين تُختزل الدولة في حسابات البقاء السياسي، تتراجع قضايا المساواة والحقوق المدنية، ويصبح الحديث عن حل الدولتين، أو السلام، أو إنهاء الاحتلال، أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، حديثًا غريبًا في نظر كثيرين، بل يكاد البعض يتعامل معه وكأنه ضرب من الخيال السياسي.

ومن هنا، لا يجوز أن نخلط الملفات، لكن يجب أن نربط بينها بوضوح: تاريخ النكبة، وسياسات الدولة تجاه العرب، وتراجع اليسار الإسرائيلي، وصعود اليمين المتطرف، ومرحلة نتنياهو، واتساع الاستيطان، والعنف داخل المجتمع العربي، كلها ليست ملفًا واحدًا، لكنها حلقات متصلة في سلسلة واحدة. كل حلقة تؤثر في الأخرى، وكل تحول في الدولة ينعكس على مكانة المواطن العربي، وعلى شعوره بالأمان، وعلى قدرته على انتزاع حقوقه.

ثامنًا: أزمة القيادة العربية وسؤال المشروع

في المقابل، لم تنجح الأحزاب العربية في إنتاج طرح جديد يليق بحجم المرحلة. فالأحزاب القائمة، سواء الجبهة والحزب الشيوعي، أو التجمع، أو غيرها من التيارات العلمانية والقومية، بقيت في كثير من الأحيان أسيرة لغتها القديمة، وشعاراتها المألوفة، وصراعاتها الداخلية، دون أن تقدم مشروعًا جامعًا يربط بين الهوية الفلسطينية والاحتياجات المدنية اليومية.

كما أن الحركة السياسية العربية، بتعدد مركباتها، لم تستطع أن تبني قيادة جديدة قادرة على مصارحة الناس، ومواجهة الدولة، ومواجهة المجتمع في الوقت نفسه، وطرح رؤية عملية حتى لو اصطدمت مع عمق الأحزاب التقليدية ومصالحها وحساباتها.

ولذلك، فإن المشكلة لم تعد فقط في الدولة وسياساتها، رغم أن مسؤوليتها أساسية ومباشرة، بل أيضًا في عجزنا نحن عن إنتاج أداة سياسية جديدة، ولغة جديدة، وخطة عمل جديدة. لم يعد يكفي أن نعيد نفس الشعارات، ولا أن ننتظر الانتخابات، ولا أن نختبئ خلف الماضي دون أن نبني المستقبل. فالناس اليوم تسأل عن الأمن في الشارع، وعن البيت للأبناء، وعن المدرسة، وعن العمل، وعن كرامة المواطن أمام المؤسسة، وعن حقه في التخطيط، والبناء، والحياة الطبيعية.

إن المجتمع العربي لا يحتاج إلى من يختار بين الهوية والحقوق المدنية، بل إلى من يجمع بينهما. لا نريد خطابًا يتنازل عن فلسطين، ولا خطابًا ينسى الحي والشارع والبيت. لا نريد قومية بلا خبز، ولا مدنية بلا كرامة، ولا تمثيلًا بلا نتائج. المطلوب هو مشروع سياسي واجتماعي جديد، يفهم أن الدفاع عن الهوية الفلسطينية لا يتناقض مع النضال من أجل الميزانيات، والأرض، والمسكن، والأمن الشخصي، والتعليم، والعمل، والبنية التحتية.

ومن هنا، فإن الأزمة ليست فقط أزمة دولة تميّز ضد مواطنيها العرب، وليست فقط أزمة مجتمع يعاني من العنف والفقر وضيق الأرض، بل هي أيضًا أزمة قيادة، وأزمة خطاب، وأزمة خيال سياسي. نحن بحاجة إلى من يعيد ترتيب الأولويات دون أن يتنازل عن الثوابت؛ إلى من يقول إن القومي والمدني ليسا ضدين، وإن الدفاع عن فلسطين لا يعني إهمال الحي والشارع والمدرسة والبيت، وإن المطالبة بالمساواة لا تعني التخلي عن الهوية، وإن مواجهة العنف لا تكون فقط بالبكاء على الضحايا، بل ببناء مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي يعيد للناس الأمن والكرامة والثقة.

خاتمة: نحو مشروع عربي جديد

لقد آن الأوان أن نخرج من حالة رد الفعل إلى حالة الفعل، ومن الخطاب الموسمي إلى البرنامج العملي، ومن انتظار الدولة إلى فرض الحقوق عليها، ومن التشرذم الحزبي إلى بناء إرادة جماعية جديدة. فالجماهير العربية في الداخل لا تحتاج فقط إلى من يمثلها في الكنيست، بل إلى من يفهم وجعها اليومي، ويحمل تاريخها، ويقرأ مستقبلها، ويملك الشجاعة ليقول إن المرحلة القديمة انتهت، وإن البقاء في نفس الأدوات والخطابات لن يصنع غدًا مختلفًا.

إننا بحاجة إلى مراجعة شجاعة، لا تهدم ما كان، لكنها لا تقدّسه. مراجعة تعترف بدور الأحزاب والحركات التي نشأت في ظروف صعبة، لكنها تقول بوضوح إن ما كان صالحًا لمرحلة معينة قد لا يكون كافيًا لمرحلة جديدة. فالواقع تغيّر، وإسرائيل تغيّرت، والمنطقة تغيّرت، والمجتمع العربي نفسه تغيّر. وشباب اليوم لا تكفيه لغة الأمس، ولا تقنعه الشعارات وحدها، بل يريد قيادة تعرف كيف تحوّل الهوية إلى قوة، والوجع إلى برنامج، والغضب إلى فعل منظم.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من يمثل العرب؟ بل: ماذا يريد العرب؟ ما هو مشروعهم؟ كيف يحمون وجودهم؟ كيف يستعيدون أرضهم وحقوقهم؟ كيف يبنون اقتصادهم ومؤسساتهم؟ كيف يواجهون العنف؟ كيف يحافظون على انتمائهم الفلسطيني والعربي والإسلامي، وفي الوقت نفسه ينتزعون حقوقهم المدنية الكاملة داخل الدولة التي يحملون جنسيتها؟

هذه هي المعادلة التي يجب أن نطرحها بشجاعة. نحن لسنا ضيوفًا في هذه البلاد، ولسنا أقلية بلا تاريخ، ولسنا مشكلة أمنية كما حاولت بعض مؤسسات الدولة تصويرنا. نحن أصحاب حق، وأصحاب أرض، ومواطنون لنا حقوق كاملة، وجزء أصيل من هذا المكان. ومن لا يفهم هذه الحقيقة، لن يستطيع أن يبني مستقبلًا عادلًا ولا دولة مستقرة.

لذلك، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة جديدة في فكرها، لا بالضرورة في أعمارها فقط؛ قيادة تجمع بين التجربة والشجاعة، بين الانتماء والعقلانية، بين الثوابت والواقعية، بين الخطاب القومي والعمل المدني. قيادة لا تخاف من مراجعة الذات، ولا من مصارحة الناس، ولا من مواجهة الدولة، ولا من كسر الجمود داخل الأحزاب نفسها.

إن الجماهير العربية في إسرائيل تقف اليوم أمام مفترق طرق. إما أن نستمر في الدوران داخل نفس الدائرة: خطابات، انتخابات، خيبات، عنف، تهميش، وانقسام؛ وإما أن نفتح بابًا جديدًا نحو مشروع جامع، عملي، شجاع، يعيد للناس الثقة بأن السياسة يمكن أن تخدمهم، وأن الهوية يمكن أن تحميهم، وأن المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع بالتنظيم، والوحدة، والعمل، والإرادة.

وفي النهاية، لا بد أن نقولها بوضوح: نحن لا نطلب من أحد منّة، ولا نبحث عن فتات حقوق. نحن نطالب بما هو لنا: الاعتراف، المساواة، الأمن، الأرض، الكرامة، والحق في حياة طبيعية كريمة فوق وطن لم نغادره، ولم يغادرنا.

* الكاتب محلل سياسي ومختص بالشؤون الإسرائيلية وفلسطيني الداخل

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا