قال الباحث والمحامي وعالم الاجتماع من معهد فان لير في القدس د. أمير فاخوري إن الجدل الذي أثارته إمكانية عودة القائمة المشتركة أعمق بكثير مما يبدو في ظاهره، ولا يمكن اختزاله في حسابات المقاعد أو نسب التصويت أو توازنات المعسكرات. فالمسألة، برأيه، تتجاوز النقاش الانتخابي المباشر، وتكشف فجوات سياسية عميقة في الرؤية والمصلحة والخيال السياسي بين قطاعات واسعة من اليسار الصهيوني وبين أجزاء مركزية من السياسة العربية الفلسطينية داخل إسرائيل.
وجاء كلام فاخوري تعقيبًا على النقاش الذي أثاره مقال الصحافي رفيف دروكر، والذي حذّر فيه من أن عودة المشتركة قد تربك معسكر المعارضة وتُضعف فرص إسقاط نتنياهو. وقال فاخوري إن هذه القراءة، رغم منطقها الانتخابي، تكشف شيئًا أوسع من مقال بعينه: فهي تعبّر عن حدود المخيال السياسي الذي ما زال ينظّم علاقة جزء كبير من اليسار الصهيوني بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
وأضاف أن الإرباك الذي تثيره المشتركة لا يعود فقط إلى وزنها البرلماني، بل إلى ما ترمز إليه سياسيًا: عودة الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى مركز السياسة بوصفهم جماعة سياسية مستقلة، تحمل مشروعًا وذاكرة ومطلبًا سياسيًا خاصًا بها، لا بوصفهم كتلة أصوات يمكن استدعاؤها لحظة الحاجة وإعادتها إلى الهامش بعد انتهاء الحاجة إليها.
مفهوم الشراكة
وبرأيه، فإن قطاعات واسعة من اليسار الصهيوني لا ترى في الفلسطينيين داخل إسرائيل شركاء كاملين في تقرير مستقبل الدولة، بقدر ما ترى فيهم قوة يجب ضبط حجم حضورها السياسي: حضور يكفي للمساهمة في تغيير الحكومة، لكنه لا يصل إلى حد المسّ بالاحتكار اليهودي لمركز القرار. وحين تكون الأصوات العربية مطلوبة لإسقاط نتنياهو تُقدَّم كشراكة، لكن حين تتحول إلى قوة سياسية مستقلة تتحول إلى مصدر قلق وإرباك.
ورأى فاخوري أن ما يظهر هنا ليس مجرد وصاية سياسية أو أبوية، بل شكل من الشوفينية القومية المتجذرة، حيث يُطلب من العرب أن يتوحدوا أو ينقسموا أو يصوّتوا "بمسؤولية"، لكن تعريف المسؤولية يبقى مشروطًا دائمًا بما يخدم الأولويات السياسية اليهودية.
واعتبر فاخوري أن في هذا الموقف قدرًا كبيرًا من قصر النظر السياسي، خصوصًا في لحظة تعيش فيها إسرائيل أزمة عميقة في بنية الحكم نفسها. ففي الوقت الذي يواصل فيه ائتلاف نتنياهو وحلفاؤه تقويض مؤسسات الدولة، من القضاء إلى الإدارة العامة والعلاقات الخارجية، لا تزال قطاعات من اليسار الصهيوني تفضّل استمرار هذا التآكل على احتمال إعادة توزيع فعلية لمركز القوة السياسية داخل الدولة. وكأن إسرائيل المأزومة تبقى، بالنسبة إلى بعضهم، أفضل من إسرائيل يُمسّ فيها الاحتكار اليهودي لمركز الحسم السياسي. وربما تكمن هنا مفارقة تاريخية حادة: تفضيل الانهيار على دمقرطة فعلية.
اليمين الثوري واليمين المحافظ
وأوضح فاخوري أن جزءًا كبيرًا من النقاش الإسرائيلي اليهودي ما زال يُفسَّر عبر التمييز بين "يمين محافظ" و"يمين ثوري". وهو تمييز له أساس سياسي وتحليلي واضح، لكنه يبقى غير كافٍ من زاوية فلسطينية. فاليمين المحافظ، رغم قوميته وإقصائيته، ما زال يتحرك ضمن منطق الدولة ومؤسساتها، ويسعى إلى الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية إثنوقراطية مستقرة، مع استمرار الامتياز البنيوي اليهودي داخلها. أما اليمين الثوري، فهو مشروع إثني–استعماري–مسياني يتجاوز منطق الدولة نفسها، ويسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والسيادي كله بين البحر والنهر، عبر الضم، وتفكيك ما تبقى من النظام الفلسطيني، ومواصلة تدمير غزة، ودفع الفلسطينيين نحو الإقصاء أو التهجير أو تجريدهم المتزايد من أي مكانة سياسية فاعلة.
وبصياغة مكثفة، يقول فاخوري: اليمين الأول ما زال متمسكًا بإثنوقراطية يهودية داخل إطار الدولة؛ أما الثاني فيدفع نحو ترسيخ نظام دائم من السيطرة والتفوق القومي بين البحر والنهر، تُدار فيه حياة المواطنين والرعايا ضمن بنية سيادية واحدة وغير متساوية.
وأضاف فاخوري أن هنا تبرز نقطة سياسية أخرى لا تقل أهمية. فجزء من اليسار الصهيوني يرى في الانتقال إلى حكومة تضم يمينًا محافظًا ومركزًا–يسارًا مخرجًا من الأزمة الحالية، ليس فقط داخليًا بل خارجيًا أيضًا. فمثل هذا الانتقال يسمح بإعادة تقديم إسرائيل للعالم باعتبارها دولة يمكن إصلاحها من الداخل، وبأن ما جرى في السنوات الأخيرة — من حرب ودمار وجرائم موثقة ما تزال تتكشف وتثير صدمة واسعة في العالم — هو نتيجة لحكم نتنياهو وائتلافه، لا تعبير عن بنية أعمق داخل إسرائيل نفسها.
ويرى فاخوري أن هذا الخطاب يحمل محاولة واضحة لدفع تهمة التواطؤ بعيدًا عن المجتمع الإسرائيلي وعن قطاعات واسعة من معسكر المركز–يسار الصهيوني، رغم أن أجزاء كبيرة من هذا المجتمع سمحت، بالفعل أو بالصمت أو بغضّ الطرف، لهذه السياسات بأن تتكرس وتستمر. ولهذا تحديدًا، فإن حكومة تستند إلى شراكة فلسطينية وازنة لا تخدم هذا المسار، لأنها تعيد طرح أسئلة المسؤولية والبنية والشرعية من جديد، بدل إغلاقها.
الموقف من القضية الفلسطينية
وأشار فاخوري إلى أن الفجوة تظهر بوضوح أيضًا في الموقف من القضية الفلسطينية. فبالنسبة إلى قطاعات من اليسار الصهيوني، تبقى الأراضي المحتلة ملفًا سياسيًا يمكن تأجيله لصالح جدول أعمال مدني داخلي. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين داخل إسرائيل، فهذا الفصل شبه مستحيل سياسيًا وأخلاقيًا ووجدانيًا. فلا يمكن فصل غزة عن حيفا، ولا جنين عن الناصرة، ولا التعامل مع الفلسطينيين داخل إسرائيل باعتبارهم منفصلين عن الشعب الفلسطيني الواقع تحت الحرب والاحتلال والسيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وأضاف أن القائمة المشتركة تحديدًا تعيد هذا الربط إلى مركز المشهد، وهذا ما يجعلها مقلقة بالنسبة إلى قطاعات في اليسار الصهيوني، لأنها تدفع باتجاه مواجهة هذا الترابط بدل الالتفاف عليه.
كما رأى فاخوري أن الخلاف يمتد إلى فهم طبيعة الأزمة نفسها. فاليسار الصهيوني يسعى، في معظمه، إلى الاستقرار: تغيير الحكومة، ترميم المركز، وإعادة الدولة إلى مسارها السابق. في المقابل، ترى قطاعات من السياسة الفلسطينية داخل إسرائيل أن وجود قائمة مشتركة كبيرة ومؤثرة، تُمنع من الدخول إلى الحكومة رغم ثقلها السياسي، قد يساهم في تعميق مأزق النظام السياسي الإسرائيلي بصورة استراتيجية، ويدفع إسرائيل إلى أزمة تمثيل وحكم أعمق قد تفتح أفقًا لتحول سياسي بنيوي أوسع. وهي، من هذه الزاوية، رؤية تختلف عن مقاربة اليسار الصهيوني الذي يبحث عن التغيير عبر العودة إلى حكومة يمين محافظ ومركز–يسار.
سؤال الهوية
وختم فاخوري بالإشارة إلى أن أحد أعمق مستويات الخلاف يظهر في سؤال الهوية نفسه. ففي التسعينيات، راهن جزء من اليسار الصهيوني على نموذج "العربي الإسرائيلي" — أي المواطن العربي المندمج في الإسرائيلية، مع تراجع البعد الوطني الفلسطيني إلى مرتبة ثانوية أو مؤجلة.
وفي السنوات الأخيرة، يبدو أن بعض هذا المعسكر وجد في تجربة منصور عباس نموذجًا مختلفًا، ليس فقط بوصفه نظرية تغيير سياسية جديدة، بل أيضًا كمشروع هوية جديد. ويمكن، بحذر، قراءة هذا النموذج بوصفه شكلًا من "الفلسطينية الإسرائيلية": أي هوية تبقى فيها الفلسطينية مكوّنًا مركزيًا ومعلنًا، لكنها تُعاد صياغتها داخل أفق سياسي إسرائيلي أوسع، بحيث تصبح الإسرائيلية هي الإطار العملي المنظّم للمواطنة والفعل السياسي والمستقبل المشترك.
في المقابل، فإن عودة القائمة المشتركة تعيد، على ما يبدو، طرح تصور مغاير، يمكن وصفه بـ"الإسرائيلية الفلسطينية": أي تصور تبقى فيه الفلسطينية هي الإطار الوطني والسياسي المرجعي والمنظّم، بينما تُفهم الإسرائيلية بوصفها واقعًا مدنيًا وسياسيًا يُدار من داخله، لا بوصفه المرجعية العليا التي يُعاد ترتيب الهوية داخلها.
وربما لهذا السبب تحديدًا تُربك المشتركة قطاعات في اليسار الصهيوني: ليس فقط بسبب وزنها الانتخابي، بل لأنها تعيد إلى الواجهة حضورًا فلسطينيًا جماعيًا مستقلًا، سياسيًا ورمزيًا، يطرح نفسه بوصفه صاحب مشروع ورواية ومطلب، لا مجرد شريك ظرفي داخل المعادلات اليهودية.
وأضاف فاخوري في ختام حديثه أن اتساع الفجوة بين اليسار الصهيوني وبين السياسة الفلسطينية داخل إسرائيل، كما تعبّر عنها القائمة المشتركة، لا يمكن إنكاره. وربما يبدو هذا الفارق، بعد ما يقارب ثمانية عقود من المواطنة المشتركة، كبيرًا إلى حد مقلق. لكن هذا لا يعني أن الخطأ السياسي الصحيح هو التعامل مع ممثلي هذه السياسة كما لو كانوا جزءًا من بقية الخريطة السياسية اليهودية في إسرائيل، أو وضعهم في الخانة نفسها مع اليمين المحافظ، فضلًا عن اليمين الثوري، أو حتى مع قوى المركز.
لا مزيدًا من الإقصاء
وبرأي فاخوري، فإن المعنى السياسي لهذا التباعد يجب أن يكون معاكسًا تمامًا: لا مزيدًا من الإقصاء أو الاشتباه، بل بناء مساحة سياسية مشتركة، والتمسك بشكل فعّال بإدارة حوار بين شركاء متساوين، يعترفون بعمق الخلاف من دون أن يتجاهلوه، ويخوضونه من موقع الندية لا من موقع الوصاية أو الاحتواء.
وأشار إلى أن مثل هذا الحوار لا يكاد يُدار اليوم بين النخب السياسية نفسها، بل يجري، بصورة جزئية ومحدودة، داخل بعض فضاءات المجتمع المدني وبين مجموعات من الناشطين. لكنه، حتى هناك، ما زال غير كافٍ، لا من حيث الحجم ولا من حيث العمق ولا من حيث قدرته على التأثير السياسي. ويجب أن يُقال ذلك بصراحة: حتى داخل الأوساط الفلسطينية المنخرطة في هذا النوع من الحوار، لا يتمسك الجميع، بالقدر نفسه، بفكرة الشراكة المتساوية كأفق سياسي واضح وملزم. ولهذا تحديدًا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى لقاء أو تواصل، بل إلى مشروع سياسي واعٍ ومقصود يُعيد تأسيس الحوار الفلسطيني–اليهودي في إسرائيل على قاعدة شراكة ديمقراطية ثنائية القومية، كاملة ومتساوية، لا على قاعدة إدارة الخلاف أو تأجيله.
المصدر:
بكرا