آخر الأخبار

في مخاطر تشويش نتائج انتخابات الكنيست: فرنسا نموذجاً

شارك

تعاطت الصحف الإسرائيلية في منتصف الشهر الجاري مع التحقيقات التي تقوم بها السلطات الفرنسية لمعرفة ما إذا كانت شركة إسرائيلية مجهولة تُدعى "بلاك كور" متورطة في حملة تشويه ضد مرشحين يساريين لرئاسة عدد من البلديات في فرنسا. شملت هذه الحملة مواقع إلكترونية وحسابات وهمية وإعلانات تشهيرية.

نقل موقع صحيفة "ماكور ريشون" اليمينية الإسرائيلية عن وكالة رويترز يوم 31 أيارمايو تأكيدات تفيد بتورط الشركة الإسرائيلية لكن دون معرفة هوية الجهة الساعية إسرائيليا بالتأثير على الرأي العام الفرنسي من خلال صنع المحتوى وصنع الرواية كما أشار التقرير.

بينما أكدت الشركة العالمية "ميتا" ملكة فيسبوك، بأن "الشبكة" التي تقف وراء الحملة مرتبطة بحملة التضليل التي شُنّت قبيل الانتخابات المحلية في فرنسا. وامتنعت ميتا عن الكشف رسمياً عن هوية الجهة المسؤولة. بينما ربطت شركة ميتا بين التحقيقات الفرنسية، وما قامت به الشركة الإسرائيلية المذكورة في احدى الدول الافريقية دون الإفصاح عن معلومات إضافية. فيما أزالت شركة ميتا شبكة من الحسابات والصفحات التي انتهكت قواعدها المعلوماتية. وأوضحت الشركة أن النشاط غير اللائق انطلق من إسرائيل وكان "موجهاً بالدرجة الأولى ضد فرنسا".

وصفت شركة بلاك كور نفسها على موقعها الإلكتروني وصفحتها على لينكدإن بأنها "شركة نخبوية متخصصة في التأثير والأمن السيبراني والتكنولوجيا، مصممة لعصر الحرب المعلوماتية الحديث". وقالت الشركة إنها تزود الحكومات والحملات السياسية "باستراتيجيات متطورة وأدوات متقدمة وأمن قوي لتشكيل الروايات".

تشير التقارير في هذا الصدد والتي نشرتها عدة صحف إسرائيلية بما فيه هارتس ويسرائيل هيوم الى القدرات الإسرائيلية العالية في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية وحملات انتاج المحتوى عالي الأثر. تُظهر حملة التضليل المنسوبة إلى بلاك كور كيف أصبحت حتى الانتخابات المحلية ساحةً متقلبة، وفي هذه الحالة استهداف حزب "فرنسا المستقلة" المؤيد للحق الفلسطيني والمناويء للسياسات النيولبرالية في بلاده، وهو الحزب الذي يتعزز حضوره في الانتخابات البلدية والعامة ليصبح منافسا على السلطة. فيما تقوم المساعي للحد من أثره باتهامه باللاسامية واتهام قادته المرشحين الأكثر بروزا بالفساد الأخلاقي والجرائم الجنسية والتي نسبتها صفحات الفيسبوك وصناعة المحتوى الوهمية المرتبطة بالشركة الإسرائيلية الى كل من مرشح رئاسة بلدية مرسيليا سيباستيان ديلوجو، ومرشح تولوز فرانسوا بيكمال، ومرشح روبيه ديفيد جيرو.

بلاك كور وإعادة تعريف مفهوم مجموعات الضغط (اللوبي)

فعليا فإن ما ورد إنما يشير الى ما انكشف لحد الان ويتمحور في فرنسا ودولة افريقية. بينما مثل هذه التقنيات بالغة التطور يتم الحديث عنها في الانتخابات البرلمانية في انحاء العالم. كما بإمكان الدول السعي الى التأثير على الحملات الانتخابية وخلق الخطاب الذي يخدمها دونما أن تترك بصمات تدخلها. كما بإمكانها شراء خدمات من شركات وجهات دولية تملك هذه القدرات. هذا التحول من شأنه ان يدفع الى إعادة النظر في المفهوم التقليدي لمجموعات الضغط "اللوبي". مع التنويه الى أن مدى التأثير الحقيقي للوبي هو مسألة محدودة أحيانا واحيانا هامشية.

أحد الأمثلة على تغيير منسوب أثر اللوبي هو الولايات المتحدة، حيث هناك تراجع كبير في وزن وأثر اللوبي اليهودي وجماعة "إيباك"، وذلك لمتغيرات عديدة؛ ومنها هيمنة تيار "أمريكا أولاً" وكذلك الحرب على غزة. يدفع هذا التحول الى اعتماد إسرائيل أكثر على وسائل التأثير التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا فائقة التطور والتي تتميز بها.

في العام 2021 انكشف ما يسمى "فضيحة بيجاسوس" وهي برمجية ذكية طورتها الشركة السيبريانية الإسرائيلية NSO، ووفقا لوكالة بي بي سي تمكنت من اختراق نحو 50 الف رقم هاتف والتحكم بها، وتضمنت لائحة المستهدفين صحفيين ونشطاء حقوق الانسان ومسؤولين حكوميين وسياسيين بارزين بما يشمل رؤساء دول. وقد صنفت الولايات المتحدة الشركة ضمن اللوائح السوداء بعد اتهامها باستهداف مسؤولين أمريكيين، والسيطرة على المعلومات ذات الصلة بكلّ منهم بهدف الابتزاز او التأثير على سلوكهم السياسي. فيما شكلت ملفات "فضائح ابشتاين" نمطا عنيفا اخر يعصف بمصائر قادة وسياسيين امريكان ومن انحاء العالم ويغير السياسات في الكثير من الحالات.

فكرة اللوبي تنتقل من التأثير على السياسيين والمسؤولين نحو اقناعهم بتغيير السياسات والجدوى التي يحصدونها من الاستجابة لمتطلبات القوى التي تقف من وراء اللوبي. كما يعتبر عمل اللوبي مكلفا ويحتاج الى رصد ميزانيات لا يقدر عليها الافراد وعادة ما تكون دولانية. فيما الانتقال الى نمط شركة بلاك-كور فإن مفهوم الجدوى يتغير ويحلّ محله الابتزاز القائم على تشويه السمع ووصمها من خلال برمجية انتاج محتوى وتوزيعه على نطاق واسع للغاية، وفي حال الانتخابات فإن مفعولها أوسع وأعمق أثرا من الدعاية الانتخابية.

فعليا، فإن ما جرى في فرنسا من أنشطة منسوبة للشركة الإسرائيلية وأدى الى انسحاب مرشحين، إنما هو نموذج للتأثير على السياسات وأنماط التصويت في أية دولة دونما القيام بأي نشاط سياسي او لوبي. بينما استهداف الحزب اليساري المناصر للحق الفلسطيني يدلّ على هوية من يقف وراء شركة بلاك-كور. وهو يلتقي مع سياسة حكومة نتنياهو ووزارة خارجيتها، في مسعى استباقي لدمغ اليسار ومناصري الحق الفلسطيني باللا-سامية، وتشويه السمعة الشخصية للمرشحين. هذا الدمغ الاستباقي هو لضمان قاعدة شعبية مناوئة لهذا التيار في الانتخابات البرلمانية ومنعه من الوصول الى ترجمة مواقفه الى سياسات دولة.

العلاقة مع السياسة والانتخابات الإسرائيلية؟

يتوقع كل من رئيسي الوزراء السابقين ايهود باراك وايهود أولمرت وكذلك قيادات سابقة مثل بوجي يعالون، كما التقديرات الإعلامية بأن إسرائيل أمام الانتخابات الأكثر مصيريةً في تاريخها مع مؤشرات بأن تكون الأكثر عنفا، اذ ان أقصى اليمن الحاكم والملتف حول نتنياهو لن يتنازل عن الحكم اذا استطاع ذلك ومهما كانت الوسائل القانونية وغير القانونية وحتى السعي الى إلغاء الانتخابات. كما ستكون المعركة الانتخابية الأكثر استخداما لوسائل التأثير الذكية والذكاء الاصطناعي في هندسة المزاج الانتخابي، وفي كبته وحصريا بين العرب الفلسطينيين وفي تكثيفه لدى أنصار الائتلاف الحالي.

في مسألة الأحزاب العربية فإن ائتلاف نتنياهو سيسعى الى شطب أحزاب عربية وحصريا "القائمة العربية الموحدة" برئاسة النائب منصور عباس، والتي تهدد هيمنة ائتلاف نتنياهو بكونها الحزب العربي المعني بالانضمام الى ائتلاف حاكم بديل. فيما تتصاعد حملة المعارضة الحالية مسنودة في رؤيتها بعدد من الإعلاميين الوازنين والأكاديميين بحملة تأثير مفادها أن وحدة الأحزاب العربية ستؤدي الى خسارة المعارضة لعتبة الحادي والستين عضوا وعندها سيبقى نتنياهو وائتلافه الحالي في سدة الحكم لجولات انتخابية إضافية. في المقابل تقوم حملات لأقطاب المعارضة تعتمد الذكاء الاصطناعي وهندسة المحتوى والمزاج الانتخابي لكن السيطرة للأحزاب الحاكمة.

في حين ان هذه المساعي والمواقف مكشوفة وقابلة للجدل، فإن التخوف هو من استخدام أدوات أكثر دهاءً من قبل أحزاب الائتلاف وقوى تمويلية يمينية باستخدام أدوات على غرار شركة بلاك-كور. ومن المعرف ان شركات صناعة المحتوى والتأثير كثيرة في إسرائيل.

في 1732015 يوم انتخابات الكنيست، أطلق نتنياهو خطابه الشهير بأن حكم اليمين في خطر نتيجة لما اسماه "توافد المصوتين العرب بأعداد هائلة الى صناديق الاقتراع"، وكان للخطاب أثر كبير في حث مصوتي اليمين ليذهبوا الى صناديق الاقتراع ويحفظوا حكم الليكود. راهناً لم تعد هذه الآلية ذات فاعلية حيث يكفي استخدام تقنيات شركات التأثير على غرار بلاك-كور للتأثير سلبا على تصويت العرب وايجابا على القاعدة اليمينية الإسرائيلية، وكذلك لإحداث انزياح في الراي العام الإسرائيلي نحو اليمين ووضع حد لتراجع تأييده.

فعليا، لا يوجد أساس لتقدير نتائج الانتخابات للكنيست في حال جرت. لكن الأجواء توحي باحتمالية سقوط نتنياهو وهو ما لا يسلّم به. كما يبدو أن الإدارة الامريكية تنحو باتجاه تغيير الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو الى ائتلاف بديل لم تتضح هويته نهائيا، لكن يتماشى مع الأولويات الامريكية ولا يسعى للتلاعب بها.

في الخلاصة؛ تشكل متابعة السلطات الفرنسية لشركة إسرائيلية سعت الى التأثير على الانتخابات البلدية حدثاً مؤسسا في طبيعة التأثير الاستباقي على السياسات في بلد ما من قبل بلد اخر. فيما أن استخدام تقنيات الشركة للتسديد ضربة لقوى سياسية مؤيدة للحق الفلسطيني وصناعة روايات تقوم على محتوى تشهيري، أنما تؤكد ان استهداف الحق الفلسطيني لا يتوقف حتى أمام التحولات الكبرى في الراي العام لصالحه.

تقوم المنظومات القائمة على الذكاء الاصطناعي والتأثير السيبراني بدور وظيفي بديل للحملات الانتخابية التقليدية ولدور مجموعات الضغط (اللوبي)، وباتت إمكانيات التأثير من خلالها غير محصورة بالسياسة المحلية بل بالتأثير في دول العالم بما يخدم السياسة الإسرائيلية في هذه الحال.

من المرجّح أن هذه التقنيات المبرمجة ستكون سيدة الموقف في هندسة الرأي العام الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة، كما ستكون حصريا صاحبة أثر كبير في الشد نحو تغيير المزاج العربي الفلسطيني في إسرائيل لصالح السياسات الحاكمة وأهدافها.

في حال نجح ائتلاف نتنياهو في استخدام هذه البرمجيات لصالح لن يكون خارج التوقعات ان يبقى هو وائتلافه يحكمون، رغما عن وجود تشكلات سياسية معارضة قوية. ما سيحكم نتائج الانتخابات للكنيست ليس التنافس على البرامج بل على تكنولوجيا التأثير وصناعة المحتوى والتحكم بها وهو ما قد يشكل بيئة مؤاتية للشعبوية والفاشية.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا