لبنان بلد العجائب والغرائب وكل شيء جائز في هذا البلد، الذي أسموه يوماً ما "سويسرا الشرق." لكن النزاعات والصراعات المحلية والإقليمية التي عصفت به في النصف الثاني من القرن الماضي ولغاية الآن جعلت منه لبنان آخر سياسيا لا علاقة له بسويسرا، حيث طغت عليه بسبب الحروب صفات سلبية مؤذية مثل بلد الإرهاب وبلد القتل ودولة الميليشيات وصفات أخرى عديدة. وإذا فتشنا عن الأسباب نرى أن إسرائيل وراء معظمها ان لم تكن كلها.
عمليات القصف الإسرائيلي اليومي لجنوب لبنان وتوغل جيش نتنياهو في أراض جنوبية وعمليات نسف البيوت وتسويتها بالأرض وانتهاك اتفاق الهدنة الموقع منتصف الشهر الماضي، تستهدف كلها الضغط على لبنان من أجل الإسراع في مفاوضات التطبيع مع اسرائيل ودفع لبنان للعمل بجدية لحصر سلاح حزب الله بيد الجيش اللبناني، وهذا يعني أن المواجهة مع حزب الله قد تؤدي الى حرب أهلية.
انتزاع السلاح من حزب الله ليس بالأمر السهل. وحتى بعد الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله من إسرائيل وفقدان كوادر سياسية وعسكرية قيادية كبيرة من الصف الأول بينهم حسن نصر الله، ومقتل الآلاف من عناصره، لا يزال الحزب يتمتع بقوة عسكرية وشعبية يصعب على الجيش اللبناني التغلب عليها. هذا الأمر أكده نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله الذي قال في خطاب له:" أن المقاومة لن تسلم سلاحها ولن تتخلى عن أرضها، وان محاولات نزع السلاح هي إملاءات أمريكية وإسرائيلية ومن يريد نزع سلاحنا يريد نزع الروح منا":
الدستور في كل دول العالم هو المرجع الأساس لها في كل خطوة يتم اتخاذها. ما يقوم به الرئيس اللبناني من لقاءات في أمريكا وما تقوم به سفيرة لبنان هناك هي مخالفة للدستور اللبناني الذي تنص الْفَقْرَةُ "ي" مِنْ مقدمته بكل وضوح: "لَا شَرْعِيَّةَ لِأَيِّ سُلْطَةٍ تُنَاقِضُ مِيثَاقَ الْعَيْشِ الْمُشْتَرَكِ وَالِاعْتِرَافُ بإسرائيلِ هُوَ نَسْفٌ لِهَذَا الْمِيثَاقِ، مِمَّا يَجْعَلُ هَذِهِ السُّلْطَةَ سُلْطَةَ احْتِلَالٍ دَاخِلِيٍّ فَاقِدَةً لِلْأَهْلِيَّةِ."
ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني ان أَيَّ حَدِيثٍ عَنْ تفَاهُمَاتٍ أَوْ تَوَاصُلٍ مَعَ إسرائيل، هُوَ خِيَانَةٌ عُظْمَى مَوْصُوفَةٌ بِنَصِّ الدُّسْتُورِ وَالْقَانُونِ، وما يجري كما يقول مراقبون، ليس دِبْلُومَاسِيَّةً وَاقِعِيَّةً، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةُ اغْتِيَالٍ لِمَفْهُومِ الْوَطَنِ، وَطَعْنَةٌ غَادِرَةٌ فِي ظَهْرِ شَعْبٍ ترفض غالبته أي تفاوض مع إسرائيل.
يوجد في جامعة الدول العربية قَانُونُ مُقَاطَعَةِ إِسْرَائِيلَ منذ الِعَامِ 1955ولَا يَزَالُ القرار ساري المفعول لغاية اليوم باستثناء دول التطبيع مع إسرائيل والتي ألغت القرار. الدستور اللبناني ينص على أن مخالفة قرار مقاطعة إسرائيل هو "جُرْمٌ جَزَائِيٌّ يَسْتَوْجِبُ الْمُلَاحَقَةَ بِتُهْمَةِ الْعَمَالَةِ وَالْأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ." ألم يسمع الرئيس اللبناني بهذا القانون المنصوص عليه في دستور بلاده؟
الشارع اللبناني الشعبي يرى "أِنَّ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ لِانْتِزَاعِ سِلَاحِ الْمُقَاوَمَةِ بِالْقُوَّةِ أَوْ عَبْرَ الضُّغُوطِ الدَّوْلِيَّةِ، هِيَ دَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ لِـ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لأن هَذَا السِّلَاحُ لَيْسَ خِيَاراً سِيَاسِيّاً يُمْكِنُ التَّفَاوُضُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ سِلَاحُ الدِّفَاعِ عَنِ الْوُجُودِ .ومَنْ يُحَاوِلُ نَزْعَهُ، إِنَّمَا يَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ إسرائيل لِابْتِلَاعِ لُبْنَانَ،ُ."
لبنان منقسم الى قسمين. القسم الكبير يرى في التطبيع طريقاً يقود حَتْماً إِلَى تفتيتِ لُبْنَانَ وَدَفْنِ مِيثَاقِهِ الْوَطَنِيِّ والقسم الثاني يرى فيه خِيَانَةٌ عُظْمَى وَبُطْلَاناً دُسْتُورِياً.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب