النشيد الوطني اللبناني يبدأ بـ "كلنا للوطن... للعلى للعلم". ولو أن كاتب كلمات النشيد الشاعر رشيد نخلة يعود للحياة ثانية سيغيّر عنوان النشيد الى "بعضنا للوطن" لأن لبنان الحالي ليس كله للوطن، فهناك من يخون الوطن. يقول الكاتب اللبناني موسى عباس "الخَائِنُ الَّذِي يُبَرِّرُ لِلْمُحْتَلِّ مَجَازِرَهُ لَيْسَ لِلْوَطَنِ. والَّذِي يَطْعَنُ المُقَاوِمَ فِي ظَهْرِهِ لِيَحْمِيَ مَلَذَّاتِهِ لَيْسَ لِلْوَطَنِ. والَّذِي يَلْهَثُ خَلْفَ التَّفَاوُضِ المُذِلِّ وَيَرْهَنُ قَرَارَنَا لِلأَمْرِيكِيِّ أَيّاً كَانَ مَوْقِعُهُ لَيْسَ لِلْوَطَنِ."
في الداخل اللبناني يعشعش "صهاينة" من نوع آخر غير يهود دينياً، فمنهم من أتباع الرسول الكريم محمد عليه السلام، ومنهم النصارى والمسيح بريء منهم. اسمعوا ما طرحه المسيحي الماروني كريم سعيد حاكم المصرف المركزي في لبنان، وهو أعلى مؤسسة مالية في لبنان: "سلام مقابل نزع سلاح حزب الله وتجريد الجيش اللبناني من سلاحه جنوب نهر الدامور" أليس هذا أكثر من تطبيع؟
كريم سعيد كتب مقالًا في الثلاثين من شهر أيلول /سبتمبر عام 2024 في منتدى (ميدل إيست فوروم Middle East Forum ) وهي مؤسسة أمريكية يمينية متطرفة يقودها دانيال بايبس، المعروف بعدائه العلني للعرب والمسلمين، وعدائه للفلسطينيين والمقاومة. سعيد يقترح في مقاله إقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من نهر الدامور حتى الحدود مع اسرائيل. وللمعلومة فإن نهر الدامور هو أحد الأنهار الساحلية، ينبع من قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان، وينتهي بمصبه في البحر الأبيض المتوسط ويبعد حوالي 56 كيلومتراً عن مدينة صور مركز جنوب لبنان. وهذا يعني عمليًا: نصف لبنان تقريباً خارج السيادة، وخاضع لمنظومة أمنية خارجية تُدار بالكاميرات، والطائرات المسيّرة، والكلاب البوليسية، مع استبدال الجيش اللبناني بدور للشرطة ومنع أي تواجد مسلح له في المنطقة، وإفراغها من أي سلاح.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يدفع بشخصية عالمية كبيرة في الشأن المالي الى كتابة مقال مثل هذا؟ الجواب في منتهى الوضوح. لو رجعنا الى السيرة المهنية لهذا الرجل والمناصب التي شغلها في مؤسسات مالية في أمريكا والخليج العربي وبالتحديد في الامارات، لعرفنا السبب واكتشفنا أن تعيينه حاكماً لنصرف لبنان جاء برضى أمريكي وهو الثمن لموقفه. وإلاً كيف نفهم كتابة هذا المقال في منصة دعائية للمشروع الصهيوني، تبرّر الاحتلال، وتروّج للتدخلات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وتمنح منابرها لوجوه استخبارية صهيونية ومراكز ضغط مثل “ايباك”AIPAC.
والسؤال الأهم: كيف يُسلَّم موقع بهذا الوزن السيادي، مثل منصب حاكم مصرف لبنان، لشخص يرى في الأمن اللبناني عبئًا يجب تفكيكه، وفي السيادة مجرد عائق أمام الاستقرار كما تراه إسرائيل؟ إن خطورة كريم سعيد لا تكمن في المقال فقط، بل في ما يفتحه من أبواب على مستقبل البلد
كريم سعيد لم يكن الأول ولن يكون الأخير الذي يتماشى مع نهج الصياغات الإسرائيلية. فقد سبقته أحزاب وشخصيات لبنانية بارزة تعاملت مع إسرائيل خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، حيث
كان هناك تحالف سياسي وعسكري بين إسرائيل وبعض الأحزاب المسيحية اليمينية مثل: بشير الجميل قائد القوات اللبنانية الذي انتخب رئيساً للجمهورية بدعم إسرائيلي قبل اغتياله، حيث تعاون مع شارون خلال عملية الاجتياح وحزب الكتائب اللبنانية برئاسة أمين الجميل، الذي كان يرى في إسرائيل آنذاك حليفاً لمواجهة الوجود الفلسطيني في لبنان، وحزب الوطنيين الأحرار: بقيادة كميل شمعون، الذي كان جزءاً من التحالف السياسي الذي تعامل مع إسرائيل في تلك الحقبة. ولا ننسى جيش لبنان الجنوبي (جيش لحد) الذي كان الحليف العسكري الأبرز والمباشر لإسرائيل.
وهناك شخصيات حالية في المجتمع اللبناني تعتبر نفسها صهيونية أكثر منها لبنانية مثل أنطون صحناوي رجل الاعمال المعروف صاحب عدة بنوك والمسيطر على قنوات فضائية وله نواب في البرلمان اللبناني.
المصدر:
كل العرب