تتعمّق في السنوات الأخيرة ظاهرة العنصرية ضد المواطنين العرب في إسرائيل، لتتحول من مواقف فردية أو انزلاقات خطابية إلى نهج سياسي متكرر، يجد في كل موسم انتخابي فرصة جديدة للتمدد. ومع اقتراب كل جولة انتخابية، تتزايد محاولات بعض السياسيين استثمار الخوف والتحريض كأداة لحشد الأصوات، عبر تصوير العرب كتهديد أو كطرف يجب ضبطه أو تقييد مكانته. هذا النمط لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من المشهد السياسي الذي يزداد قسوة وتطرفًا.
التصريحات التي صدرت مؤخرًا عن الوزير بتسلئيل سموتريتش، والتي تناولتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، ليست حدثًا منفصلًا ولا مفاجئًا. فقد سبقتها خلال السنوات الأربع الماضية سلسلة طويلة من المواقف المشابهة التي أطلقها سياسيون من أطياف مختلفة، بعضها جاء في سياق حملات انتخابية، وبعضها الآخر في سياق نقاشات برلمانية أو تصريحات إعلامية. في كل مرة، تتكرر الرسالة ذاتها: العرب أقل استحقاقًا، أقل ولاءً، وأقل أهلية للمشاركة الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى تسجيل نقاط سياسية، بل يسعى إلى ترسيخ طبقية واضحة بين العرب واليهود، طبقية تُعرّف المواطنة على أساس عرقي، وتُعيد إنتاج مفهوم “الأغلبية المتفوقة” مقابل “الأقلية المشتبه بها”. في السنوات الأخيرة، رأينا كيف تُستخدم هذه اللغة لتبرير سياسات تمييزية، أو لتسويغ تقليص ميزانيات، أو لعرقلة مشاريع تطوير في البلدات العربية، أو لإقصاء ممثلين عرب من مواقع التأثير.
خلال أربع سنوات فقط، شهدنا أمثلة عديدة:
- تصريحات بعض أعضاء الكنيست الذين وصفوا المواطنين العرب بأنهم “طابور خامس”، كما نقلت وسائل الإعلام.
- حملات انتخابية اعتمدت على التخويف من مشاركة العرب في التصويت، أو من تأثيرهم السياسي المحتمل.
- محاولات تشريعية تهدف إلى تقييد مشاركة الأحزاب العربية أو نزع الشرعية عنها.
- خطاب إعلامي يربط بين الهوية العربية وبين العنف أو عدم الولاء، رغم غياب أي أساس مهني أو بحثي لهذه الادعاءات.
هذه المواقف ليست مجرد انفعالات، بل تعبير عن بنية نفسية جماعية لدى شريحة واسعة في المجتمع اليهودي، تتبنى العنصرية كمبدأ تنظيمي للهوية. إنها حالة يمكن وصفها – مجازًا – بأنها “مرض اجتماعي”، لأنها تتكرر وتنتشر وتُغذّى باستمرار عبر التعليم والإعلام والسياسة. هذا المرض لا يقتصر على اليمين المتطرف، بل يمتد أحيانًا إلى تيارات تُعرّف نفسها بأنها وسطية أو معتدلة، لكنها لا تتردد في استخدام الخطاب العنصري عندما ترى فيه مكسبًا انتخابيًا.
الخطير في هذه الظاهرة أنها لم تعد تُواجَه بالرفض المجتمعي الواسع كما كان يحدث في الماضي. بل على العكس، هناك قبول متزايد، وصمت متزايد، وتطبيع متزايد. فحين يطلق سياسي بارز تصريحًا عنصريًا، لا يواجه غالبًا محاسبة سياسية حقيقية، بل قد يجد دعمًا من جمهور يرى في هذه اللغة تعبيرًا عن “الحقيقة” أو “الجرأة”. وهكذا، يتحول التحريض إلى أداة شرعية، ويصبح التمييز جزءًا من اللعبة السياسية.
ومع اقتراب الانتخابات، تتصاعد هذه الظاهرة أكثر. فالمنافسة على أصوات اليمين تجعل بعض السياسيين يتسابقون في إطلاق تصريحات أكثر تطرفًا، في محاولة لإظهار أنفسهم كحماة “الهوية اليهودية” أو “الأمن القومي”. وفي هذا السباق، يصبح العرب هدفًا سهلًا، لأنهم الحلقة الأضعف سياسيًا، ولأن التحريض ضدهم لا يكلّف ثمنًا انتخابيًا، بل قد يجلب مكاسب.
ما يجري اليوم ليس مجرد انحراف سياسي، بل انزلاق نحو نموذج دولة تُدار بمنطق التفوق العرقي. دولة تُقصي خمس سكانها لا يمكنها أن تستقر، ولا يمكنها أن تدّعي أنها تسير نحو مستقبل مشترك. إن التعامل مع العرب ككتلة يجب ضبطها أو تحييدها يخلق شرخًا عميقًا يتسع عامًا بعد عام، ويهدد بتحويل التوترات إلى حالة دائمة.
التغيير يتطلب مواجهة صريحة مع البنية العنصرية المتجذرة، ومع الخطاب الذي يحاول إعادة تعريف المواطنة على أساس الانتماء القومي. ويتطلب من العرب أن يواصلوا نضالهم السياسي بثقة، وأن يرفضوا الانحناء أمام موجات التحريض، وأن يثبتوا حضورهم كقوة مدنية وسياسية لا يمكن تجاوزها.
في النهاية، العنصرية ليست قدرًا. إنها خيار سياسي واجتماعي. وإذا كان البعض يختار التحريض، فإن على القوى الديمقراطية في المجتمع أن تختار المواجهة، وأن ترفع صوتها دفاعًا عن قيم العدالة والمساواة، قبل أن يتحول المرض إلى واقع دائم يصعب علاجه.
المصدر:
كل العرب