رحلت أميرة حسن في 28 نيسان 1994 إثر حادث طرق مأساوي على طريق الساحل، وهي في ذروة عطائها المهني. جاء رحيلها صادمًا، ليس فقط لمن عرفها، بل لمشهد إعلامي كانت قد بدأت ترسم فيه ملامح مختلفة، بصوت مهني قادر على العبور بين عوالم متعددة، وفهم واقع معقد بلغة دقيقة ومتوازنة.
وُلدت عام 1956 في مدينة عكا، ونشأت في قرية كفر ياسيف في الجليل، داخل بيئة عربية فلسطينية شكّلت وعيها المبكر. هذه الهوية المركّبة منحتها قدرة استثنائية على قراءة التعقيدات السياسية والاجتماعية، ونقلها بموضوعية إلى جمهور عربي وأوروبي على حد سواء.
بدأت مسيرتها الأكاديمية بدراسة الخدمة الاجتماعية في حيفا، وهو اختيار ترك أثرًا واضحًا على أسلوبها الصحفي، حيث ظل البعد الإنساني حاضرًا في تغطياتها. لاحقًا انتقلت إلى تل أبيب لدراسة الإعلام، لتدخل المجال من بوابة صعبة، لكنها سرعان ما أثبتت حضورها بمهنيتها وقدرتها على كسر الحواجز.
في الصحافة العبرية، كانت من أوائل الصحفيين الذين ساهموا في تأسيس صحيفة “חדשות”، وبرزت كصحفية عربية داخل هذا الفضاء، محافظة على استقلاليتها ومهنيتها. وفي الوقت نفسه، لعبت دورًا محوريًا في الإعلام العربي من خلال عملها مراسلة دائمة لصحيفة “الأهرام” المصرية، لتكون أول صحفية من عرب الداخل تحظى بهذا الاعتماد، في خطوة شكّلت محطة مهمة في بناء جسور إعلامية بعد اتفاقيات السلام.
امتد حضورها إلى الإعلام الدولي، حيث عملت منتجة ومراسلة ميدانية مع شبكة ARD الألمانية، وقدّمت من خلال تقاريرها صورة معمقة ودقيقة عن واقع المنطقة، بعيدًا عن التبسيط أو الانحياز.
حضرت أميرة حسن في قلب الأحداث، وغطّت عن قرب مفاوضات واتفاقيات أوسلو في أوائل التسعينيات، وأجرت مقابلات سياسية بارزة، من بينها حواراتها مع السفير المصري في إسرائيل محمد بسيوني، حيث نقلت تحليلات دقيقة من داخل المشهد السياسي. كما حققت سبقًا صحفيًا بإجرائها مقابلة مع الشيخ أحمد ياسين داخل السجن، في خطوة عكست جرأة مهنية عالية وقدرة على الوصول إلى مصادر حساسة.
وبفضل حضورها المهني وعلاقاتها الواسعة، ارتبطت بعلاقات عمل وثيقة مع شخصيات دبلوماسية، وأسهمت في تعزيز قنوات التواصل بين الدبلوماسية المصرية والمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، من خلال دورها الإعلامي وتحليلاتها. ولم يكن غريبًا أن توصف في الصحافة المصرية بـ“السفيرة الإعلامية”، تقديرًا لهذا الدور.
جاء رحيلها المبكر ليضع حدًا لمسيرة كانت في طور التوسع والتأثير. وقد شُيّع جثمانها في جنازة مهيبة في كفر ياسيف، شارك فيها حشد واسع من الشخصيات العامة والمثقفين والدبلوماسيين، من بينهم وفد رسمي من السفارة المصرية، في مشهد عكس مكانتها المهنية والإنسانية.
ورثاها عدد كبير من الكتّاب والمثقفين، ونُشرت مقالات تأبينية واسعة في الصحف، من أبرزها صحيفة “الاتحاد”، التي توقفت عند تجربتها ودورها في الصحافة.
ورغم ما حققته خلال سنوات عملها، فإن استعادة مسيرتها اليوم تكشف أن هذه التجربة لم تحظَ بالقدر الكافي من الحضور في الذاكرة الإعلامية، مقارنة بحجم ما قدّمته من عمل وتأثير. حضورها بقي حيًا لدى من عرفها وتابعها، لكنه لم يتحول إلى سردية واسعة توازي قيمتها المهنية.
أميرة حسن لم تكن مجرد صحفية ناجحة، بل تجربة متكاملة في صحافة تبحث عن المعنى، وتوازن بين الهوية والانفتاح، وتؤمن أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب شجاعة ومعرفة وقدرة على العبور بين العوالم.
كما شكّلت نموذجًا مبكرًا لريادة نسوية في مجال الصحافة، في وقت كان حضور النساء فيه محدودًا. لم تنتظر مساحة، بل صنعتها، وأثبتت أن الكفاءة المهنية قادرة على كسر الحواجز، لتلهم أجيالًا من الصحفيات العربيات اللواتي وجدن في تجربتها دليلًا على إمكانية الحضور والتأثير.
تبقى أميرة حسن نموذجًا لصحفية سبقت زمنها، ومسيرة تستحق أن تُستعاد لا كذكرى فقط، بل كمرجع مهني حي.
المصدر:
بكرا