عقّب د. كمال ريان، رئيس مركز أمان، على المعطيات التي نشرها قسم كبير الاقتصاديين في وزارة المالية، والتي قدّرت الكلفة المباشرة للجريمة في المجتمع العربي بنحو 10 مليارات شيكل سنويًا، وما يصل إلى 19 مليار شيكل عند احتساب الأضرار غير المباشرة، بينها تراجع الاستثمارات، خسارة أيام العمل، انخفاض الإنتاجية وارتفاع تكاليف الأمن والإنفاذ.
ارتفاع في عدد الضحايا
وجاءت المعطيات في ظل ارتفاع حاد في جرائم القتل في المجتمع العربي خلال العقد الأخير، إذ ارتفع عدد الضحايا من 58 قتيلًا عام 2015 إلى 255 قتيلًا عام 2025، وفق ما ورد في النشر. كما أشار التقرير إلى أن الجريمة لم تعد قضية أمن شخصي فقط، بل تحولت إلى عبء اقتصادي يمس المجتمع والاقتصاد العام.
وقال ريان لـ"بكرا" إن الجريمة في المجتمع العربي داخل إسرائيل لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحولت، وفق الأرقام الرسمية والاقتصادية المحلية والعالمية، إلى أزمة مركّبة تُقاس بمؤشرات واضحة: معدلات قتل مرتفعة، فجوات داخلية حادة، وخسائر اقتصادية ضخمة.
وأضاف أن قراءة هذه المعطيات ضمن سياق محلي وإقليمي وعالمي تكشف صورة أكثر خطورة، معتبرًا أن المجتمع العربي يواجه حالة استثنائية تتجاوز حدودها الجغرافية.
فجوة مقابل المجتمع اليهودي
وقال ريان إن المعطيات المحلية تشير إلى فجوة صارخة داخل الدولة الواحدة، إذ يبلغ معدل جرائم القتل في المجتمع العربي نحو 16.9 لكل 100 ألف نسمة، مقابل معدل منخفض جدًا في المجتمع اليهودي يقارب 0.06 لكل 100 ألف نسمة أو أقل.
واعتبر أن هذه الفجوة ليست تفصيلًا إحصائيًا، بل مؤشر على خلل بنيوي عميق في إنفاذ القانون، توزيع الموارد، والفرص الاقتصادية.
وأشار ريان إلى أن نحو 76% من الضحايا هم من الفئة العمرية بين 18 و40 عامًا، أي من الفئة الأكثر إنتاجية في المجتمع. وقال إن ذلك يعني استنزافًا مباشرًا لرأس المال البشري. كما لفت إلى أن نسبة كبيرة من جرائم القتل تتركز في مناطق الشمال، ما يعكس تباينات تنموية واضحة داخل المجتمع العربي نفسه.
وفي الجانب الاقتصادي، قال ريان إن تكلفة الجريمة في المجتمع العربي تصل إلى نحو 25 مليار شيكل عند احتساب الآثار غير المباشرة. واعتبر أن هذه الأرقام تعني تراجع الاستثمار، ضعف سوق العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، بما يستنزف المجتمع من الداخل.
على المتسوى الإقليمي
وعلى المستوى الإقليمي، قال ريان إن المقارنة مع المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة تكشف مفارقة لافتة، إذ إن مستويات الجريمة الجنائية الداخلية، وخاصة القتل المنظم، تبقى في كثير من الحالات أقل نسبيًا من تلك المسجلة داخل المجتمع العربي في إسرائيل، رغم التعقيدات السياسية وغياب السيادة الكاملة.
وحذر ريان في الوقت نفسه من سرعة انتقال هذا “الوباء”، على حد تعبيره، إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، معتبرًا أن ذلك يجب أن يستوقف كل فرد من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يرزحون تحت الاحتلال.
وأضاف أن المقارنة مع العالم العربي تبرز حجم الاستثناء أيضًا، إذ إن معدلات الجريمة في العديد من الدول العربية تبقى أدنى من المستويات المسجلة في المجتمع العربي داخل إسرائيل، باستثناء دول أنهكتها الحروب والصراعات مثل العراق والسودان وبعض بؤر النزاع.
وعالميًا، قال ريان إن متوسط القتل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يقارب 3 لكل 100 ألف نسمة، فيما يتراوح المعدل في أوروبا بين 0.5 و2. وأضاف أن بعض دول أميركا اللاتينية، مثل البرازيل وكولومبيا، تسجل معدلات مرتفعة بسبب الفقر والعصابات، لكن وصول المجتمع العربي إلى معدل 16.9 لكل 100 ألف يضعه أقرب إلى مناطق تعاني من الجريمة المنظمة أو الأزمات، لا إلى بيئة دولة متقدمة.
وقال ريان إن اقتصاد الجريمة يقوم على حلقة مفرغة، إذ إن البطالة والفقر وانعدام الفرص تزيد الجريمة، فيما تؤدي الجريمة إلى تقليص الاستثمار، إضعاف النمو، وتعميق الفقر.
ليس فقط مشكلة أمنية
وختم ريان بالقول إن المعطيات لا تترك مجالًا للتأويل، وإن المجتمع العربي داخل إسرائيل يقف أمام مستوى جريمة مرتفع بشكل استثنائي، محليًا مقارنة بالمجتمع اليهودي، وإقليميًا مقارنة بالعديد من المجتمعات العربية والفلسطينية، وعالميًا مقارنة بالدول المتقدمة.
وأضاف أن الحديث لا يدور عن أزمة أمنية فقط، بل عن أزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تُقاس بالأرقام وتنعكس على الإنسان والاقتصاد والمستقبل، معتبرًا أن السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك مشكلة، بل ما إذا كان يمكن كسر هذا المسار قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
المصدر:
بكرا