انتخابات الكنيست الإسرائيلي: أفق مسدود وحالة نتنياهو الصحية
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
يحتدم مؤخرا التنافس الانتخابي الإسرائيلي وذلك في اعقاب الكشف عن إصابة رئيس الوزراء نتنياهو بورم سرطاني خبيث في البروستاتا. يأخذ هذا الصراع وجهتين؛ واحدة داخل حزب الليكود حول الوراثة وأشكال الاصطفاف الداخلي؛ فيما التنافس الأقوى هو بين كتلتي المعارضة والائتلاف الحاليتين واللتين من المتوقع ان تتغير تركيبة كل منهما.
قراءة في مهب الريح الإسرائيلية الداخلية
تتعرض شخصية نتنياهو لاهتزاز في صفوف قاعدته الانتخابية التي وثقت بقدراته على الانتصار في كل الجبهات وتغيير وجه المنطقة وفي دفع الولايات المتحدة بالمسار الذي يحدده. في اعقاب القرار الأمريكي بوقف إطلاق النار مع إيران، وبوقفٍ موازٍ لإطلاق النار في لبنان فرضه ترامب على إسرائيل بخلاف كل التوجهات والوعود بحسم المعركة على هذه الجبهة والتي تشير معظم التقديرات الإسرائيلية بأن الوضع كان أفضل أمنيا لإسرائيل قبل بداية الحرب بل ان الأمن والأمان تراجعا وحصريا في البلدات الحدودية مع لبنان والتي تشكل قاعدة انتخابية صلبة لنتنياهو.
تسعى أوساط داخل الليكود ممن استبعدهم نتنياهو في السابق الى اصطفاف جديد في حزب حزب ليكود بديل يسعى الى تشكيل حكومة صهيونية واسعة تخترق حدود الانقسام الحاصل حاليا بين المعسكرين السياسيين الإسرائيليين. في طليعة هؤلاء السفير السابق لدى الأمم المتحدة جلعاد أردان، وموشي كحلون وزير المالية السابق، ويولي ادلشتاين الرئيس السابق للجنة الخارجية والامن والذي أطيح به من قبل الليكود في سياق التهرب من استحقاقات قانون تجنيد الحريديم للجيش.
نتنياهو بدوره قد يسعى بشكل غير مباشر الى التخلص من بعض رموز الجناح الأكثر يمينية في الليكود والذين باتوا عبئا انتخابيا عليه كما يبدو ويتصرفون كمعارضة يمينية. لكن الصراع على وراثة نتنياهو لم يبدأ علنيا بعد، الا ان التنافس الحقيقي ينصبّ على تصدّر القائمة الانتخابية الى جانب نتنياهو، وهو ما يقوم به كل من المذكورين أعلاه، أردان، وادلشتاين في حال لم تنجح مبادرتهما لتشكيل حزب جديد، وكذلك وزيري الخارجية ساعر والامن كاتس والذي وبّخه نتنياهو في اجتماع الكابنيت يوم 234 بأن تصريحاته حول انتظار الموافقة الامريكية لتجديد الحرب على ايران هي للاستهلاك الانتخابي. فيما أن الكشف عن حالة نتنياهو الصحية وهو في السادسة والسبعين من عمره قد تسرّع حرب الورثة.
يظهر غادي ايزنكوت رئيس حزب "يشار" ورئيس الأركان السابق والوزير في كابنيت الحرب بعد 7 أكتوبر 2023 منافساً قويا على تصدّر كتلة المعارضة في منافسة مع نفتالي بينت. ورغما عن التباين في المواقف بينهما، الا ان ايزنكوت يعتمد الفرضية الإسرائيلية الرائجة بأن تغيير الحكومة في الانتخابات أمر قابل للتحقيق فقط في حال استطاع كسب تأييد أوساط يمينية واستيطانية ثمّ يقوم بإحداث استدارة نحو اليمين الوسط ليكسب من المجموعتين. على هذا الأساس قام بجولة في المستوطنات في الضفة الغربية أكد فيها بأنه لم ينطق يوما بتأييد قيام دولة فلسطينية.
علام تدور الانتخابات وعلام لا تدور
لا تدور الانتخابات حول قضايا استراتيجية او مصيرية حقيقية ذات صلة بالأفق السياسي، فلا يوجد من يطرح في المعارضة مشروعا سياسيا متكاملا يفتح أفقا امام الإسرائيليين نحو حل سياسي او يضع علامة سؤال على قضايا الاحتلال والاستيطان والعنصرية البنيوية. لكنها تدور حول ما مفاده رأب الصدع في المجتمع الإسرائيلي، وإعادة الهيبة للمحكمة العليا وللقانون وما يسمى الأداء السليم الدولاني. هذا رغما عن ان التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة منذ استلام هذه الحكومة السلطة لم تكن البداية في التحول نحو اقصى اليمين ذهنيا وأفقاً. كل هذا لا يلغي وجود فوارق وتباينات بين أحزاب المعارضة الصهيونية ذاتها، فيما الغلبة ستكون لصالح الاستراتيجية التي اعتمدتها حكومة بنيت لبيد السابقة بمفهوم "إدارة الصراع" و"تقليصه". الا ان العوامل الخارجية قد تكون حاسمة في تغيير المسار او تعميقه، أي التحولات في السياسة الدولية وحصريا الامريكية على ضوء المتغيرات الجوهرية في الموقف من إسرائيل، وتوجه دول أوروبية نحو وضع علامة سؤال على اتفاقات الشراكة مع إسرائيل، وكذلك في حال تمّ تعيين لجنة تحقيق رسمية في اخفاق 7 اكتوبر 2023 وفي عدم القدرة على حسم الحرب في أي من الجبهات، يضاف الى ذلك التبعية شبه المطلقة للقرار الامريكي.
رغم الغضب اليميني على نتنياهو بسبب الاذعان للقرار الأمريكي وتجلي علاقات التبعية، الا ان هذا النمط من العلاقة ليس بجديد بل هو تاريخي. ما يحدث حاليا هو إعادة تطبيع هذه العلاقة في الرأي العام الإسرائيلي بخلاف رواية نتنياهو التي سعى الى ترسيخها في خطاباته عن الدولة العظمى والشراكة مع الولايات المتحدة في الحروب وفي اعتبار الحرب على إيران استثمارا جيوسياسيا. بناء عليه ليس محسوما لغاية الان فيما إذا كانت علاقات التبعية المكشوفة لإدارة ترامب، سوف تلعب بالضرورة ضد نتنياهو ولصالح المعارضة التي أيدت بدورها كل خطوات إدارة ترامب.
القائمة المشتركة للأحزاب العربية وترهيب المعارضة الصهيونية
في المقابل يعلو شأن الأحزاب العربية الأربعة المعنية بانتخابات الكنيست لكونها في حال تشكلت القائمة المشتركة فيما بينها، فمن شأن ذلك تشكيل كتلة ثالثة لا يمكن تجاوزها وكذلك لا يمكن التعايش معها من قبل الكتلتين الصهيونيتين الأكبرين، وفي المقابل فإن القائمة المشتركة كقائمة لا تقبل الانضمام الى أي ائتلاف حاكم باستثناء احد مركباتها وهي القائمة العربية الموحدة والتي شاركت في الائتلاف الحاكم برئاسة كل من لبيد وبينيت.
تقوم أحزاب المعارضة الصهيونية وعدد متزايد من المحللين الإسرائيليين بالتنظير ضد قائمة عربية مشتركة، وتبدو الأمور أقرب الى حملة هندسة سياسية موجهة الى الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، لثنيها عن فكرة القائمة المشتركة باعتبارها ستؤدي الى إضعاف كتلة المعارضة الحالية وحرمانها من الحصول على اغلبية مطلقة أي أكثر من ستين نائبا. هذا الموقف قائم على إقصاء التمثيل السياسي العربي من الشراكة السياسية ونزع شرعيته، وعوضا عن ذلك يكون المسعى في ترهيب هذا الجمهور العربي الفلسطيني ببقاء الحكومة الحالية في حال اختار الوحدة، ودفعه الى التصويت لاحزاب معارضة صهيونية. للتنويه قامت أحزاب المعارضة الصهيونية الحالية بعد الانتخابات السابقة 2022 بتحميل مسؤولية صعود أقصى اليمين على الأحزاب العربية التي لم تتوافق فيما بينها على قائمة مشتركة، فيما هذه المعارضة ذاتها التي تلقي بالمسؤولية مسبقا على الأحزاب العربية في حال اتفقت على قائمة مشتركة تخوض الانتخابات وتحصد ما بين 12 و17 مقعدا في الكنيست. حجة المعارضة في هذا الصدد هي ان القائمة المشتركة كلما كانت أقوى فإن ذلك لصالح نتنياهو. للتذكير أيضا بأنه بعد الانتخابات السابقة لم ينحصر بالمعارضة الحالية التواصل مع القائمة العربية الموحدة للانضمام الى الائتلاف، بل أن نتنياهو قام بهذا المسعى أيضا. فيما حاليا وبعد الانقلاب القضائي الإسرائيلي فإن احتمالية تجاوز الائتلاف الحاكم لعتبة المحكمة العليا في شطب أحزاب عربية نافدة اكثر من أي وقت مضى.
في مواجهة هذا النهج الاقصائي القائم على نزع شرعية الصوت العربي، تؤكد تقديرات كثيرة وبناء على تجارب سابقة، بأن الوزن السياسي للعرب الفلسطينيين قادر ان يفرض نفسه كقوة سياسية لا يمكن تجاوزها وقد تكون حاسمة، في اسقاط حكومة أقصى اليمين. بناء عليه يدور نقاش بين مركبات القائمة المشتركة (الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة، القائمة العربية الموحدة، التجمع الوطني الدمقراطي، القائمة العربية للتغيير) ويتمحور هذا النقاش في الأسس السياسية والتنظيمية للقائمة المشتركة؛ وهل تتأسس على برنامج سياسي ونمط سلوك ملزم بعد الانتخابات، ام تقتصر القائمة المشتركة على قائمة انتخابية لتجاوز عتبة الانتخابات وبعدها يختار كل حزب طريقه بصدد الائتلاف الحاكم البديل في حال كان مطروحا.
في الخلاصة؛ رغم استحقاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في شهر تشرين اولاكتوبر 2026، الا ان احتمالات الغائها بذرائع أمنية واردة وتتعزز. وفي حال جرت الانتخابات فهناك احتمالية للتلاعب بمسارها وبنتائجها وحتى عدم الاعتراف بنتائجها اذا كانت في غير صالح الائتلاف الحاكم الحالي.
رغم محاولات استبعاده الا ان الانتخابات تعود وتتمحور في الإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل منذ تشرين اولأكتوبر 2023 والحرب متعددة الجبهات غير المحسومة في أيٍّ منها وفقا للتقديرات الإسرائيلية. فيما الكشف عن وضع نتنياهو الصحي، من شأنه ان يسرّع من حرب الورثة على قيادة الليكود، كما قد يدفع نحو تفكك معين في هذا الحزب الملتف حول رئيسه، وقد يتسارع هذا التحوّل في حال إقامة حزب ليكود بديل يسعى اقطابه الى إقامة حكومة موسعة ترتكز على الأحزاب الصهيونية حصرا.
التبعية المكشوفة لحكومة نتنياهو للقرار الأمريكي، وبخلاف بداية الحرب على ايران باتت تلعب دورا في إحداث تصدع في كتلة مصوتي الليكود الحاكم، كما هناك مؤشرات لبداية اهتزاز في هيبة نتنياهو بين قاعدته الانتخابية، مع التأكيد بأنه من دون نتنياهو من الصعوبة بمكان الإبقاء على وحدة حزب الليكود وحكمه.
لا تزال الخارطة السياسية وطبيعة التشكّلات سيّالة وغير نهائية وقد تحصل تطورات كبيرة داخل المعسكرين الصهيونيين، الائتلاف والمعارضة.
تشكل الأحزاب العربية في حال توافقت على القائمة المشتركة قوة لا يمكن تجاوزها وتؤثر على كل الاحتمالات في حال حصلت على 12 – 17 مقعدا. فيما تواجه حملة ممنهجة لثنيها عن التوافق على قائمة مشتركة، وحصريا الحملة من قبل كتلة المعارضة الصهيونية المركزية، وتواجه احتمالية الشطب وكبت التصويت العربي من قبل الائتلاف الحاكم.
من المتوقع ان تكون المعركة الانتخابية عند تحديد موعدها الأعنف في تاريخ إسرائيل، فيما العنف تجاه الفلسطينيين سواء مواطني إسرائيل ام في الضفة والقطاع سيكون أكثر عنفا لكونه عقائدياً ووظيفياً في ذات الوقت
المصدر:
كل العرب