في الأيام الأخيرة، بدا واضحاً أن إسرائيل تتعامل بتوتر وقلق شديد مع أي حديث عن استئناف المفاوضات مع إيران أو التوصل إلى تمديد إضافي لوقف إطلاق النار. فبدلاً من الترحيب بأي مسار يخفف منسوب التوتر في المنطقة، تتصاعد في تل أبيب نبرة التحذير والقلق، كما تعكسه تصريحات مسؤولين في حكومة نتنياهو.
هذا القلق، من وجهة نظري، ليس أمنياً بحتاً، بل يرتبط بثلاثة عوامل متشابكة: حسابات نتنياهو الداخلية، ورغبة إسرائيل في دفع المنطقة نحو مواجهة أوسع، واستثمارها للغطاء الأمريكي في افتعال أزمات إقليمية.
أولاً: مأزق نتنياهو الداخلي والخوف من نهاية الحرب بلا “صورة نصر”. فمنذ بداية الحرب، بنى بنيامين نتنياهو خطابه السياسي على فكرة “الانتصار الكامل”. وقد كرر هذه العبارة في أكثر من مؤتمر صحفي، رغم أن الواقع الميداني لا يعكس تقدماً حاسماً. صحيفة هآرتس أشارت مؤخراً إلى أن نتنياهو “يرفض أي خطوة سياسية قد تُظهره وكأنه خضع للضغوط”، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. أما نيويورك تايمز فنقلت عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن وقفاً طويلاً لإطلاق النار" سيُعدّ هزيمة سياسية لنتنياهو”، لأنه سيكشف أن أهداف الحرب لم تتحقق.
هذا الوضع يضع نتنياهو أمام معادلة صعبة: أي تهدئة قد تُفقده ورقته السياسية الوحيدة، وهي استمرار الحرب. كما أن خسارته للانتخابات ستعني عودته إلى المحاكمات المفتوحة ضده، وهو ما يشكل تهديداً شخصياً مباشراً. لذلك، فإن أي انفراجة دبلوماسية مع إيران تُعدّ بالنسبة له خطراً على مستقبله السياسي، لا فرصة للتهدئة.
ثانياً: رغبة إسرائيل في دفع المنطقة نحو مواجهة أوسع مع إيران
خلال الأشهر الماضية، صدرت عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات واضحة تشير إلى رغبتهم في إبقاء الضغط على إيران، بل ودفع الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة معها. وزير الدفاع الإسرائيلي قال في تصريح نقلته رويترز إن “إيران هي التهديد الأكبر لاستقرار المنطقة”، وإن إسرائيل “لن تتردد في التحرك عند الضرورة”. كما نشرت واشنطن بوست تقريراً يفيد بأن بعض المسؤولين في تل أبيب يعتقدون أن “الضغط العسكري الأمريكي هو السبيل الوحيد لإضعاف إيران لسنوات طويلة”.
من هذا المنظور، فإن استمرار التوتر يخدم إسرائيل أكثر من أي مسار تفاوضي. فالتصعيد واستمرار الحصار قد يؤدي إلى إضعاف إيران عسكرياً واقتصادياً، ويحدّ من قدرتها على دعم حلفائها في المنطقة. أما التهدئة، فتعني تجميد هذا المسار، وربما فتح الباب أمام تفاهمات دولية تُقلّص نفوذ إسرائيل في صياغة مستقبل المنطقة.
ثالثاً: استثمار الغطاء الأمريكي لافتعال أزمات إقليمية
تشعر إسرائيل اليوم بأنها تتحرك تحت مظلة حماية أمريكية واسعة. فقد أكدت وزارة الدفاع الأمريكية في أكثر من مناسبة أن “التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل ثابت”. كما ذكرت CNN أن واشنطن عززت وجودها العسكري في المنطقة “لردع أي تهديدات لإسرائيل”.
هذا الغطاء يمنح الحكومة الإسرائيلية الحالية المعروفه بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل مساحة واسعة للتحرك في عدة ساحات:
* لبنان عبر استمرار الاشتباكات مع حزب الله، وربما ضم المنطقة التي احتلها في جنوب لبنان كشريط امني.
* سوريا عبر ضربات جوية متكررة، وربما ضم المناطق في جنوب سوريا في منطقة السويداء إلى اسرائيل كما فعلت مع الجولان، او اقامة دويلة درزية تكون محمية اسرائيلية.
* غزة، ورغبتها في البقاء في المنطقة العازلة الصفراء والتي تشكل ٥٣٪ من مساحتها، والضفة عبر عمليات عسكرية مستمرة لتعزيز الاستيطان والقضاء على حلم الدولة الفلسطينية.
هذه الجبهات ليست مجرد ساحات نزاع، بل أدوات سياسية تستخدمها الحكومة لتعزيز مشروعها الداخلي والخارجي. فكل أزمة جديدة تمنحها فرصة لتبرير سياساتها، وتوسيع نفوذها، وإبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة دائمة.
تل أبيب ترى في استمرار التوتر فرصة لتعزيز موقعها السياسي والعسكري، بينما ترى في التهدئة تهديداً مباشراً لحكومة نتنياهو ولأجندتها الإقليمية. ولذلك، فإن أي مسار تفاوضي — مهما كان محدوداً — سيُقابل في إسرائيل بقلق، وربما بمحاولات لإفشاله، حفاظاً على توازنات داخلية وإقليمية ترى الحكومة الحالية أنها تخدم مصالحها.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب