في الفترة الأخيرة، عادت إلى الواجهة مرة أخرى النقاشات حول إمكانية إعادة تشكيل القائمة العربية الموحدة، في ظل شعور متزايد داخل المجتمع العربي بأن الانقسام الحزبي لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل بات عبئًا مباشرًا على التمثيل السياسي وعلى القدرة على الدفاع عن الحقوق والقضايا الأساسية. وفي هذا السياق، قدّم المحلل السياسي محمد دراوشة، في تصريحات لموقع "بكرا"، قراءة واضحة للمشهد، شدد فيها على أن مطلب الوحدة لم يعد شأنًا حزبيًا داخليًا، بل مطلبًا شعبيًا واسعًا.
الوحدة
وقال دراوشة إن أكثر من 80 بالمئة من المواطنين العرب في الداخل يريدون اليوم أمرًا واحدًا وواضحًا، وهو توحيد الصفوف ضمن قائمة مشتركة. وأضاف أن هذا المطلب لا يعكس حالة عاطفية عابرة أو مزاجًا انتخابيًا مؤقتًا، بل يعبر عن شعور عام بأن الواقع يزداد صعوبة، وأن استمرار التشرذم الحزبي تحوّل من خطأ سياسي إلى خطر فعلي يهدد قدرة المجتمع العربي على حماية مصالحه وحقوقه واحتياجاته الأساسية.
وأوضح أن الشارع العربي لا يطلب أمرًا تعجيزيًا، بل يطالب بما هو بديهي، وهو أن تتحمل القيادات السياسية مسؤوليتها، وأن تضع الحسابات الضيقة والخلافات الشخصية جانبًا. وأضاف أن هذا المطلب يزداد إلحاحًا في ظل سياسة رسمية تتجه أكثر فأكثر نحو التضييق على المجتمع العربي وتقليص حقوقه المدنية، إلى جانب تفاقم الجريمة والعنف واتساع التحديات التي تحيط به من كل جهة.
النقاشات بين الأحزاب
وأشار دراوشة إلى أن النقاشات بين الأحزاب العربية بشأن إعادة تشكيل القائمة المشتركة لم تبدأ اليوم، بل تجددت منذ أشهر، وخصوصًا بعد التظاهرة الكبيرة ضد الجريمة في سخنين في كانون الثاني. وقال إن الأجواء في بداية تلك الاتصالات كانت إيجابية، وساد قدر من التفاؤل بإمكانية الوصول إلى تفاهمات، إلا أن التوترات عادت سريعًا إلى السطح، وارتفعت حدة الخلافات بين الأطراف. وبرأيه، فإن هذا التطور لا يمكن التعامل معه كأمر مفاجئ، لكنه في الوقت نفسه يعكس فشلًا سياسيًا واضحًا أمام جمهور ينتظر من ممثليه أن يرتقوا إلى حجم التحديات بدلًا من الانشغال بصراعات داخلية.
وأضاف أن من يريد قيادة الناس لا يستطيع أن يدخل إلى المفاوضات بعقلية تسجيل النقاط أو تحسين المواقع الشخصية، لأن الشراكة ليست منصة للمكاسب الفردية، بل مسؤولية سياسية ثقيلة تحتاج إلى نضج وانضباط وقدرة على تقديم المصلحة العامة.
وفي ما يتعلق بالشروط التي يرى أنها ضرورية لإنجاح أي مفاوضات جدية، قال دراوشة إن هناك ثلاثة عناصر أساسية لا بد من حسمها بسرعة. أولها، الاتفاق على توزيع المقاعد في القائمة على أساس نتائج الانتخابات السابقة، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات التي طرأت على حجم كل حزب وفق ما تظهره الاستطلاعات. واعتبر أن أي محاولة للالتفاف على هذه القواعد ستُفهم على أنها سعي لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المشروع الجماعي.
أما العنصر الثاني، فهو اختيار رئيس للقائمة يكون قادرًا على تمثيل الوحدة فعلًا، لا أن يعيد إنتاج الانقسامات القديمة. وقال إن رئاسة القائمة ليست جائزة ترضية ولا مكافأة حزبية، بل موقع يفترض أن يعكس صورة القائمة أمام الناس، ولذلك المطلوب شخصية تستطيع الجمع لا التفريق.
أما العنصر الثالث، بحسب دراوشة، فهو التفاهم المسبق والواضح على حدود الحرية السياسية لكل حزب بعد الانتخابات. وأوضح أن من حق كل مركب سياسي أن يحتفظ بهامش معين من الاستقلالية، لكن من واجبه أيضًا ألا يمس بروح الشراكة العامة. وأضاف أن الوضوح في هذه المسألة ضروري من أجل منع أزمات مستقبلية، ولإقناع الجمهور بأن القائمة المشتركة، إذا تشكلت، ستكون إطارًا سياسيًا ثابتًا لا صفقة مؤقتة.
تحذير
وحذر دراوشة من أن التأخير في إنجاز الوحدة يحمل في طياته خطرًا سياسيًا حقيقيًا، لأن كل يوم يمر من دون اتفاق يضعف ثقة الناس بقياداتهم، ويعطي انطباعًا بأن هذه القيادات عاجزة عن التقاط اللحظة السياسية. في المقابل، قال إن التقدم السريع والهادئ والمسؤول يمكن أن يخلق زخمًا إيجابيًا، ويعيد الأمل إلى جمهور واسع لا يريد من قادته إلا أن يتصرفوا كقادة فعليين.
وشدد على أن تشكيل قائمة موحدة، رغم أهميته، لا يكفي وحده. وقال إن الهدف الأبعد يجب أن يكون تحويل التأييد الشعبي الواسع لفكرة الوحدة إلى نسبة تصويت مرتفعة يوم الانتخابات. وأضاف أن حتى أقوى قائمة لن تكون قادرة على إحداث تغيير إذا بقيت نسبة التصويت منخفضة، ولذلك فإن المطلوب ليس فقط اتفاقًا بين الأحزاب، بل أيضًا عملًا سياسيًا ومجتمعيًا واسعًا يعيد إلى الناس الإيمان بأن لصوتهم وزنًا، وأن الوحدة ليست شعارًا فارغًا، بل أداة لحماية مصالح ملموسة مثل مكافحة الجريمة، وتوسيع فرص العمل، وتطوير البنى التحتية، وانتزاع الحقوق المدنية.
وختم دراوشة بالقول إن اللحظة الحالية تضع القيادات العربية أمام اختبار حقيقي، لأن الناس قالت كلمتها بوضوح، ولم تعد تقبل بسياسة التأجيل والمماطلة. وأضاف أن المطلوب اليوم هو الارتفاع إلى مستوى المسؤولية، لأن البديل هو تحمّل مسؤولية إضاعة فرصة سياسية قد لا تتكرر قريبًا.
المصدر:
بكرا