لطالما تنادى أهل المسجد الأقصى المبارك، غزة، إلى أن تتحرك مع كل شدة وبلاء يتعرض له المسجد وأهله، رجاله ونساؤه وأطفاله. ولطالما لامست أصواتهم – التي انطلقت ملء أفواه المرابطات والمرابطين، وهم يتعرضون للضرب والسحل والاعتداءات الوحشية من قبل قوات الاحتلال – نخوة أهل غزة واستنهضت حضورهم. أتذكرون، على سبيل المثال، نداءات وهتافات المرابطين في الأقصى: "يا غزة يلا من شان الله"؟
ورغم أن غزة استصرخت أسماع وأفئدة الأمة، فإن أصواتها لم تلامس نخوة المعتصم، فاكتفت الأمة – إلا من رحم الله وهم قليل – بدور المتفرج، الجالس على مقاعد المتابعة، أو أمام الشاشات، يراقب المشهد كما تُتابع مباراة كرة قدم. وبذلك خسرت امتحان الكرامة والإنسانية والانتماء بكل أبعاده ومعانيه.
وفي المقابل، وقفت غزة، وما تزال، وحيدة بإيمانها وإرادتها وتضحياتها، في مواجهة منظومة استعمارية متكاملة تتصدرها الإدارة الأمريكية، تخوض حربًا مفتوحة في وجه منظومة الاستعمار الغربي بأدواتها ووكلائها في المنطقة، أولئك الذين تكالبوا عليها لأنها، بشرفها وصلابتها، تفضح دناءة خضوعهم وتُعرّي قبح تبعيتهم.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى موقع مؤسسات الأمة الدينية الكبرى، وفي مقدمتها المساجد ذات الحضور التاريخي والديني، التي شكلت عبر العصور حواضن للوعي ومراكز للفعل والتحريك، فالمسجد لم يكن يومًا مجرد فضاء تعبدي، بل كان منبرًا للحق، ومحركًا للجماهير، ومجالًا لتشكل الموقف الجمعي.
وعلى هذا الامتداد التاريخي والجغرافي، يكتسب الحديث عن المسجد الأموي في دمشق، والمسجد الأزهر في القاهرة، أهمية خاصة، بوصفهما جناحين تاريخيين في عمق الأمة، ارتبطا، في الوعي والوظيفة، بالمسجد الأقصى، وكأن الأقصى يمثل الرأس الذي يوجه البوصلة، فيما يشكل الأموي والأزهر جناحين يمتدان من بلاد الشام إلى مصر، يمنحان الأمة القدرة على النهوض والتحليق متى استعادا دورهما في الفعل والتأثير.
فالأزهر، عبر تاريخه، لم يكن مجرد مركز علمي، بل كان حاضنة للحراك الفكري والسياسي، ومنبرًا للعلماء الذين قادوا المواقف الكبرى في لحظات مفصلية من تاريخ الأمة. ومن ساحاته خرجت أصوات قاومت الاستعمار، وساندت قضايا التحرر، وفي مقدمتها فلسطين، حيث شكل، بعلمائه وطلابه، رافعة معنوية وفكرية في الدفاع عن القدس ومقدساتها.
وقد مثل الأزهر، إلى جانب ذلك، حصنًا متينًا للأمة وقضيتها المركزية، فمنذ عصر صلاح الدين الأيوبي، كان منطلقًا لترسيخ الوحدة والعقيدة التي أسهمت في تحرير بيت المقدس، وتعاظم دوره في العهد المملوكي حين غدا الظهير الروحي والشعبي في مواجهة الأخطار الكبرى، وصولًا إلى دوره في مقاومة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، حيث ظل منبره صوتًا حاضرًا في الدفاع عن فلسطين وحقوق شعبها.
وبذلك، فإن استعادة هذا الدور التاريخي، كما بدأ يتجلى في المسجد الأموي، تبقى اليوم مهمة ملحة أمام الأزهر، حتى يكتمل الجناحان، ويستعيد الرأس بوصلته، وتنهض الأمة من جديد من موقع الفعل لا التلقي.
وقد بدأت ملامح عودة الروح تتشكل في المسجد الأموي، ومعه مساجد بلاد الشام، حيث عاد المنبر ليحمل خطاب الأقصى، وعادت الجموع لتخرج ملبية نداءه، في مشهد يعكس استعادة تدريجية لدور غاب طويلًا، ويؤكد أن في هذه الأمة نبضًا ما يزال قادرًا على أن يُبعث من جديد.
وإذا كان هذا الحراك قد انطلق من الشام، فإن استكماله يمر حتمًا عبر القاهرة، حيث تتجه الأنظار إلى الأزهر ليستعيد موقعه الطبيعي في هذه المعادلة، باعتباره جناحًا لا يكتمل التحليق بدونه، وقادرًا، بما يمتلكه من رمزية وتأثير، على نقل الأمة من حالة التلقي إلى الفعل، ومن الصمت إلى المبادرة، ومن التشتت إلى وحدة البوصلة نحو الأقصى.
وفي خاتمة هذا المشهد، لا بد من العودة إلى غزة – مساجدها وأهلها – التي لبّت النداء يوم خفتت الأصوات، وقدمت ما استطاعت من تضحيات جسام في سبيل الأقصى. لقد أدت غزة دورها، وربما فوق ما يُنتظر منها، ودفعت الثمن دمًا وحصارًا وتجويعًا.
واليوم، وبعد أن أدت غزة ما عليها، يبقى السؤال: ماذا ستفعل الأمة؟ وكيف ستنهض بقية الجناحين، حتى لا يبقى الأقصى في هذا الحال، وهو ليس مجرد مكان للعبادة، بل رمز سيادي وديني وحضاري وسياسي جامع، تتقاطع عنده هوية الأمة ووجدانها، مهما تباعدت سياقاتها واختلفت أولوياتها؟
المصدر:
كل العرب