آخر الأخبار

حروب تبدأ بالعنتريات وتنتهي بالهزائم: أزمة قيادة بلا رؤية / بقلم: محمّد دراوشة

شارك

هناك لحظة تتكرر في تاريخ الحروب الإسرائيلية حتى باتت أشبه بمشهد محفوظ: تبدأ الحرب بضربة صاخبة، يعلو معها خطاب الانتصار، وتُفتح شاشات التلفزة على وعود “الحسم القريب”، ثم لا يلبث هذا الاندفاع أن يتبخر، لتدخل إسرائيل في مرحلة طويلة من الدوران في المكان، واستنزاف القدرات، وتآكل الخطاب السياسي، قبل أن تجد نفسها مضطرة للجلوس إلى طاولة مفاوضات بشروط أسوأ مما كان ممكنًا قبل إطلاق أول صاروخ. هذا النمط ليس صدفة، ولا هو نتيجة ظروف طارئة، بل هو انعكاس مباشر لغياب رؤية سياسية سلمية حقيقية، ولتبنّي عقلية عنترية تفضّل الضجيج على التفكير، والتهديد على التخطيط، والرمزية على النتائج.

غياب الرؤية السياسية السلمية في إسرائيل ليس مجرد ثغرة في الأداء، بل هو جوهر الأزمة. فالدولة التي تخوض حربًا دون أن تعرف كيف ستنهيها، هي دولة محكومة بالفشل مهما بلغت قوتها العسكرية. والقيادة التي تفضل إطلاق تصريحات من نوع “سنسحق” و“سنقضي” و“سنُعيدهم إلى العصر الحجري”، هي قيادة تهرب من الأسئلة الحقيقية: ماذا بعد؟ كيف نمنع الحرب القادمة؟ كيف نبني ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد؟ كيف نخرج من دائرة الدم التي ندور فيها منذ عقود؟

هذه الأسئلة لا تجد مكانًا في الخطاب الإسرائيلي، لأن العنتريات أسهل من التفكير، ولأن رفع الصوت أسهل من صياغة رؤية، ولأن التلويح بالقوة أسهل من الاعتراف بأن القوة وحدها لا تكفي. وهكذا تتحول السياسة إلى مسرح، والحرب إلى عرض إعلامي، والنتائج إلى خيبة متكررة.

فبعد عامين ونصف من الحرب الأخيرة، لا تزال حركة حماس قائمة بعنفوانها السابق، رغم ست جولات من الوعيد الاسرائيلي بأن “النصر المطلق” بات على الأبواب. ست مرات تم تبشير الاسرائيليين بقرب الحسم، وست مرات أثبت الواقع أن الشعارات لا تُسقط تنظيمات، وأن العنتريات لا تُنهي صراعات. وعلى الجبهة الشمالية، يتكرر المشهد ذاته؛ فحزب الله في لبنان ما زال قائمًا، رغم الادعاءات بأنه “أُعيد عقودًا إلى الوراء”، لكن صواريخه تملأ أجواء الجليل وحيفا. أما البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الدقيقة، فلا تزال تشكل تهديدًا حقيقياً، رغم سنوات من الخطاب السياسي الذي حاول تصويرها كملفات تمت السيطرة عليها.

هذا الفشل ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي. فالجيوش تستطيع أن تُسقط مباني، لكنها لا تستطيع أن تُسقط فكرة. تستطيع أن تُضعف تنظيمًا، لكنها لا تستطيع أن تُنهي صراعًا. تستطيع أن تُحقق إنجازًا تكتيكيًا، لكنها لا تستطيع أن تُنتج سلامًا. السلام يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تحتاج إلى قيادة تعرف أن المستقبل لا يُبنى بالصراخ، كصراخ نتنياهو وزمرته اليمينية المتطرفة.

وما يحدث في إسرائيل ليس بعيدًا عمّا يحدث في الولايات المتحدة. فواشنطن، رغم قوتها العسكرية الهائلة، وقعت في الفخ ذاته: تربح الضربة الأولى، لكنها تخسر الحرب الطويلة. من فيتنام إلى أفغانستان، ومن العراق إلى تدخلاتها الحديثة، يتكرر السيناريو ذاته: بداية قوية، ثم غرق في الرمال المتحركة، ثم انسحاب أو تسوية لا تشبه أبدًا الأهداف المعلنة. ومع تصاعد التوتر مع إيران اليوم، يبدو تكرار هذه السيناريوهات أكثر واقعية، خصوصًا مع نشر وحدات عسكرية إضافية دون وضوح في الاستراتيجية أو تصور لنهاية الحرب.

إن العنتريات قد تمنح لحظة نشوة، لكنها لا تصنع أمنًا. والقوة قد تُحقق إنجازًا تكتيكيًا، لكنها لا تُنتج استقرارًا. والضربة الأولى قد تكون ناجحة، لكنها لا تُغني عن رؤية سياسية شجاعة تملك الجرأة على الاعتراف بأن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي، وأن المستقبل لا يُبنى بالتهديدات، وأن الأمن الحقيقي يبدأ من السياسة لا من المدفع.

وفي غياب هذه الرؤية، ستبقى المنطقة عالقة في دائرة حروب تبدأ قوية وتنتهي ضعيفة، لأن من يقودها يفضّل العنتريات على الحكمة، والصوت العالي على التفكير، والرمزية على النتائج. وهذا هو الخطر الحقيقي: ليس في الحرب ذاتها، بل في العقلية التي تديرها، وفي القيادة التي ترفض أن ترى أن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل هو الخيار الوحيد القادر على كسر هذه الحلقة الجهنمية.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا