في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، يؤكد المحامي علي أحمد حيدر في تصريحات خاصة لـ"بكرا" أن الفلسطينيين يواجهون مرحلة شديدة التعقيد، ويدعو إلى تحويل الذكرى من مناسبة رمزية إلى مسار عمل وطني متواصل يشمل الأرض والذاكرة والمؤسسات وحقوق لاجئي الداخل
في تصريحات خاصة لموقع "بكرا"، قال المحامي علي أحمد حيدر إن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تحل هذا العام في ظرف استثنائي ومركب، ليس فقط لأنها تستكمل خمسة عقود على محطة مفصلية في تاريخ الفلسطينيين في الداخل، بل لأنها تأتي أيضًا في ظل تحولات عميقة تمس الواقع الفلسطيني كله، من غزة إلى الضفة والقدس، وصولًا إلى الداخل الفلسطيني.
ليس حدثا عابرا
وأضاف حيدر أن يوم الأرض لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مؤسسة في مسار تشكل الجماعة الفلسطينية وفي وعيها الوطني والسياسي، ولذلك فإن إحياء هذه الذكرى اليوم يجب ألا يقتصر على استعادة الماضي، بل يجب أن يكون مدخلًا لقراءة الحاضر والتفكير الجدي بالمستقبل، خاصة في ظل ما وصفه بحالة الاضطراب المتزايد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وقال إن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش أوضاعًا شديدة القسوة، وفي مقدمتها استمرار الحرب على قطاع غزة، بما تحمله من قتل وتجويع وتهجير وحصار، إلى جانب السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع. وأشار إلى أن هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن الذكرى هذا العام، لأن يوم الأرض يرتبط في جوهره بمعاني الصمود والبقاء والدفاع عن الحق والوجود.
وتابع حيدر أن ما يجري في الضفة الغربية والقدس لا يقل خطورة، في ظل تصعيد متواصل من قبل الجيش والمستوطنين ضد السكان الفلسطينيين، من خلال الاعتداءات على البيوت والأراضي والممتلكات، والقتل والتنكيل والتهجير، مؤكدًا أن هذه السياسات تجري في سياق حكومي واضح يضع توسيع الاستيطان وضم الضفة الغربية في صدارة أولوياته.
الجريمة المنظمة
وعن واقع الفلسطينيين في الداخل، قال حيدر إن تصاعد الجريمة المنظمة، إلى جانب تقاعس الحكومة والشرطة عن القيام بواجباتهما، أدى إلى حالة عميقة من انعدام الأمان الشخصي والجماعي في البلدات العربية. وأضاف أن هذا الواقع يترافق مع استمرار سياسات مصادرة الأراضي وهدم المنازل وإقامة المستوطنات الجديدة، خصوصًا في النقب، ما يعكس أن الاستهداف لا يقتصر على جانب أمني أو اجتماعي، بل يطال الوجود الفلسطيني في أرضه وحيزه وذاكرته.
وأشار حيدر إلى أن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تطرح أسئلة جوهرية لا يجوز تأجيلها، وفي مقدمتها سؤال الهوية والاتجاه والوسائل. وقال إن الفلسطينيين مطالبون اليوم بمراجعة أدوات نضالهم وآليات عملهم واستراتيجياتهم، للحفاظ على ما أثبت نجاعته وتطوير ما بات تقليديًا أو عاجزًا عن الاستجابة لحجم التحديات الحالية.
وأكد أن هذه المراجعة ليست ترفًا فكريًا، بل حاجة وطنية ملحة، مشددًا على ضرورة الشروع في بناء مؤسسات وطنية فاعلة تحمل هذا العبء التاريخي والسياسي. وفي هذا السياق، دعا إلى إقامة "مؤسسة يوم الأرض"، بحيث لا تبقى الذكرى فعالية موسمية، بل تتحول إلى إطار عمل تراكمي على مدار العام، يعيد ترسيخ معانيها في الوعي العام وينظم حولها برامج وفعاليات مستمرة.
كما شدد حيدر في حديثه لـ"بكرا" على أهمية إقامة "متحف يوم الأرض"، ليكون فضاءً جامعًا للوثائق والصور والذكريات والشهادات، ويحفظ الذاكرة الجماعية لفلسطينيي الداخل، إلى جانب الحاجة إلى إنشاء "الأرشيف الفلسطيني العام" بالتعاون مع المؤرخين والباحثين، حتى تتوفر مرجعية موثوقة تحفظ الوثائق الأصلية وتخدم البحث والدراسة وصون الحقوق.
القضايا الوطنية المركزية
وفي ما يتعلق بالقضايا الوطنية المركزية، قال حيدر إن من غير الممكن الحديث عن يوم الأرض من دون وضع قضية لاجئي الداخل في صلب النقاش، داعيًا إلى إطلاق مشروع جدي لعودة لاجئي الداخل إلى قراهم ومدنهم، باعتبار ذلك خطوة أولى وأساسية على طريق تحقيق حق العودة بمعناه الأشمل. وأضاف أن هذا المشروع يحتاج إلى تخطيط حقيقي وقيادة مؤمنة وعمل منظم، لا سيما في ظل الضائقة السكنية الخانقة التي يعيشها كثير من لاجئي الداخل رغم قربهم الجغرافي من أراضيهم الأصلية.
ودعا أيضًا إلى بلورة مشروع وطني لاستعادة جزء من الأراضي المصادرة، بدل الاكتفاء فقط بمواجهة سياسات المصادرة، معتبرًا أن المطلوب لم يعد يقتصر على رد الفعل، بل الانتقال إلى صياغة مبادرات وطنية هجومية ومنظمة تستند إلى رؤية جماعية ومؤسسات قادرة على الإنجاز.
وقال حيدر إن المرحلة الحالية، رغم صعوبتها، لا تعني الاستسلام، بل قد تفتح المجال لفرض معادلات جديدة إذا توفرت الإرادة، والإيمان، والمؤسسات، والقيادة الجماعية الحكيمة. وأضاف أن المجتمع الفلسطيني في الداخل ما زال يملك طاقات كبيرة، والدليل على ذلك الحراك الشعبي الأخير الذي انطلق من سخنين، والذي أظهر بوضوح وجود استعداد حقيقي لدى الناس للفعل وتحمل المسؤولية تجاه واقعهم ومستقبلهم.
وأكد أن من الضروري استثمار هذه اللحظة والبناء عليها في القضايا المطلبية واليومية، وعلى رأسها مواجهة الجريمة المنظمة، مع ربطها دائمًا بالسياق الوطني والسياسي العام، لأن الفصل بين القضيتين، برأيه، لم يعد ممكنًا ولا منطقيًا.
وفي ختام تصريحاته لـ"بكرا"، قال حيدر إن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي وطن وهوية وانتماء وذاكرة، وإن إحياء يوم الأرض هو في جوهره تمسك بهذا المعنى العميق، أي بحق الفلسطيني في المكان، وفي الذاكرة، وفي المستقبل. وأضاف أن الأمل لا يكون بشعار مجرد، بل بفعل يومي متراكم، وبعمل واع ومنظم، لأن الحرية وحماية الأرض واستعادتها لا تتحقق تلقائيًا، بل تحتاج إلى مبادرة مستمرة وإرادة جماعية ومراكمة طويلة النفس.
المصدر:
بكرا