نحن في السابع والعشرين من آذار 2026، والحرب ما زالت جارية بكل ثقلها. الصواريخ لا تزال تتساقط، والطائرات المسيّرة تعبر السماء في موجات متلاحقة، والضربات الأميركية‑الإسرائيلية داخل إيران تتواصل بوتيرة عالية. ومع ذلك، فإن المشهد لا يُدار فقط بالنار، بل أيضًا بالمُهَل الزمنية التي تصدر من البيت الأبيض، وكأن واشنطن تحاول أن تفرض إيقاعًا سياسيًا على حرب فقدت إيقاعها الطبيعي. في هذا السياق، تتراجع إسرائيل — التي كانت المروّج الأول للحرب — إلى المقعد الخلفي، بينما تمسك الولايات المتحدة بالمقود وتحدد مستوى التصعيد وحدود التهدئة.
بدأت القصة مساء السبت 21 آذار، حين خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنذار هو الأكثر حدّة منذ اندلاع الحرب في 28 شباط. منح إيران ثمانٍ وأربعين ساعة فقط لإعادة فتح مضيق هرمز “كاملًا وبدون تهديد”، ملوّحًا بتدمير محطات الطاقة الإيرانية “ابتداءً من أكبرها”. لم يكن هذا التهديد منفصلًا عن الواقع؛ فالمضيق كان شبه مغلق، والناقلات عالقة، والأسواق العالمية ترتجف. وإيران، التي كانت قد ردّت خلال ذلك الأسبوع بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على إسرائيل ودول خليجية، لم تتردد في الرد. أعلن الحرس الثوري أن أي استهداف لمحطات الطاقة الإيرانية سيقابله استهداف مباشر للبنية التحتية للطاقة وتحلية المياه في المنطقة، وأن المضيق سيُغلق بالكامل ولن يُفتح “إلا بعد إعادة بناء المحطات المدمّرة”. كانت تلك لحظة بدت فيها الحرب وكأنها على وشك أن تنتقل إلى مستوى أكثر خطورة.
لكن في 24 آذار، وقبل ساعات من انتهاء مهلة الـ٤٨ ساعة، تغيّر المشهد. أعلن ترامب أنه يؤجّل تنفيذ الضربة لمدة خمسة أيام، مبررًا ذلك بوجود “محادثات جيدة جدًا ومنتجة” مع طهران. إيران سارعت إلى نفي وجود أي محادثات مباشرة، لكنها اعترفت عبر وسطاء بأنها تلقت “نقاطًا أميركية قيد المراجعة”. كان واضحًا أن الحرب مستمرة، لكن مستوى التصعيد يخضع لإدارة دقيقة: واشنطن تريد أن تضرب دون أن تنفجر المنطقة بالكامل، وطهران تريد أن ترد دون أن تمنح واشنطن ذريعة لضربة استراتيجية واسعة.
ومع استمرار القتال حتى اليوم، 27 آذار، بدأت تتشكل ملامح مرحلة ثالثة. فبعد انتهاء مهلة الأيام الخمسة، ظهر تمديد جديد لعشرة أيام إضافية، لم يُعلن كمهلة رسمية، لكنه بات واضحًا في سياق التصريحات الأميركية والإيرانية. التمديد جاء بطلب من طهران، مقابل السماح بمرور عدد من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز كإشارة حسن نية. لم يكن ذلك تنازلًا في زمن السلم، بل خطوة محسوبة في زمن الحرب، تقول فيها إيران إنها قادرة على خفض التصعيد حين يخدم مصالحها، تمامًا كما هي قادرة على رفعه حين تشعر بأن واشنطن تتجاوز الخطوط الحمراء.
وفي خضم هذه المهل، برزت حقيقة جديدة: إسرائيل التي كانت المروّج الأول للحرب، والمحرك الأكثر حماسة لدفع واشنطن نحو المواجهة، تجد نفسها اليوم في المقعد الخلفي. فإدارة الأزمة انتقلت بالكامل تقريبًا إلى البيت الأبيض، والمهل الأميركية — بقدر ما تحمل من تهديد — تعكس رغبة واشنطن في ضبط الإيقاع، لا في تركه ينفلت وفق الرغبات الإسرائيلية. هذا التحول يضع إسرائيل في موقف محرج؛ فهي التي دفعت باتجاه الحرب، لكنها الآن مضطرة لمتابعة مجرياتها من الهامش، بينما تتخذ الولايات المتحدة القرارات الكبرى المتعلقة بالتصعيد أو التهدئة. إسرائيل، التي اعتادت أن تكون اللاعب المركزي في أي مواجهة مع إيران، تجد نفسها اليوم مضطرة للانتظار، وللتعامل مع واقع أن واشنطن هي التي تحدد سقف النار وسقف التفاوض معًا.
هذه المهل الثلاث — ٤٨ ساعة، ثم ٥ أيام، ثم ١٠ أيام — لا يمكن قراءتها خارج سياق الحرب الجارية. فهي ليست بديلًا عن القتال، بل جزء من إدارته. واشنطن تضرب آلاف الأهداف داخل إيران، لكنها تحاول في الوقت نفسه ضبط مستوى التصعيد كي لا تنفلت الحرب إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه. وإيران ترد بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لكنها تدرك أن الرد غير المحسوب قد يفتح الباب أمام ضربة أميركية واسعة قد تغيّر شكل المنطقة. أما إسرائيل، فتعرف أن أي تهدئة أميركية — حتى لو كانت مؤقتة — تعني تراجعًا لدورها، وتذكيرًا بأن الحرب، مهما اشتعلت، تبقى في النهاية قرارًا أميركيًا قبل أن تكون قرارًا إسرائيليًا.
في جوهر الأمر، ما نعيشه الآن ليس مجرد تبادل تهديدات، بل مواجهة أعصاب بين قوتين تعرفان أن الحرب، رغم اشتعالها، ما زالت قابلة للانفجار أكثر. واشنطن تريد أن تُبقي يدها العليا دون أن تغرق في مستنقع لا نهاية له، وطهران تريد أن تُظهر قدرتها على الصمود دون أن تدفع ثمنًا وجوديًا، وإسرائيل تحاول أن تبقى في قلب المشهد بينما تُدفع تدريجيًا إلى الهامش. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة كلها رهينة لعبة شطرنج سياسية، يتحرك فيها اللاعبون بحذر شديد، لأن الخطأ الأول قد يكون الأخير، ولأن الحرب، إن انفلتت من عقالها، لن توفر أحدًا.
المصدر:
كل العرب