آخر الأخبار

مطلوب تغيير ثقافة التحريض على العنف

شارك

حين تقع جريمة قتل في مجتمعنا، يتساءل كثيرون: لماذا يستمر هذا العنف ؟ ولماذا تتكرر الجرائم حتى لأسباب قد تبدو تافهة، مشادة كلامية، أو شتيمة، أو كلمة جارحة، أو خلاف عائلي بسيط ؟ وتتجه أصابع الاتهام غالبا إلى سوء تربية الأسرة، أو إلى تهاونها في متابعة أبنائها وتقويم سلوكهم. ومع أن للأسرة دورا مهما بلا شك، إلا أن كثيرين يتناسون سببا أعمق وأخطر، وهو الثقافة المجتمعية التي تُشرعن العنف وتمنحه غطاء أخلاقيا واجتماعيا.

إن عددا غير قليل من أبنائنا ينشأون في بيئة تغرس فيهم منذ الصغر أن الرد على الإساءة لا يكون إلا بإساءة اشد، وأن الاعتداء لا يُواجَه إلا باعتداء مماثل أو أعنف منه، وكأن القوة الغاشمة هي الوسيلة المثلى لحل الخلافات وإثبات الذات.

ألا نرى كيف يُعنَّف بعض الأبناء معنويًا حين يعودون من المدرسة باكين بسبب اعتداء زملائهم عليهم، فيُلامون بدل أن يُحتضنوا، ويُطلب منهم أن يردوا الضربة بأقوى منها؟ هكذا يُزرع في نفوسهم مفهوم مشوَّه للرجولة، يقوم على البطش لا على الحكمة، وعلى الانتقام لا على ضبط النفس وحل الخلاف بالحوار والحكمة والعقل .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض البيئات تسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في زرع العصبية العائلية أو الطائفية أو الحقد على المختلف في الدين أو الرأي أو الانتماء، فينشأ بعض الشباب وهم يحملون مشاعر الكراهية والتعصب، ويعتبرون العنف وسيلة مشروعة للدفاع عن الذات أو الجماعة، حتى لو كان السبب مجرد كلمة أو خلاف عابر. وهكذا تتحول أبسط المشكلات إلى مواجهات خطيرة، وقد تنتهي أحيانا بجريمة تترك خلفها دما وحزنا وخرابا يعانون منه كل الحياة .

ومن أسباب تفاقم هذه الظاهرة أيضًا التهاون مع المراهقين حين يعتدون على غيرهم، بحجة أنهم ما زالوا صغارا، أو أنهم لا يدركون عواقب أفعالهم. غير أن التغاضي عن السلوك العدواني في بداياته لا يؤدي إلا إلى ترسيخه، حتى يصبح العنف عادة، ثم سلوكا طبيعيا، ثم جريمة مكتملة الأركان. فالمراهق الذي لا يُحاسب على الأذى الذي يوقعه بغيره، قد يكبر وهو يظن أن القوة تمنحه حق التعدي، وأن المجتمع يتسامح معه دائما.

إن مواجهة العنف لا تكون فقط بتشديد العقوبات، مع أهمية ذلك، بل تبدأ أولًا من تغيير الثقافة التي نربي أبناءنا على العنف وتبريره. نحن بحاجة إلى مراجعة عميقة لأساليب التنشئة داخل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والخطاب العام. نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن الحوار ليس ضعفا، وأن التسامح ليس جبنا، وأن احترام الآخر لا ينتقص من الكرامة، بل يرفعها.
علينا أن نربيهم على أن الخلاف أمر طبيعي في حياة الناس، لكن طريقة إدارة الخلاف هي التي تكشف معدن الإنسان وأخلاقه.

إن الحل الأمثل للحد من عنف الشباب هو تغيير التربية السلبية، وغرس قيم العقل والتروي وضبط النفس، وتعليم أولادنا أن المشكلات تُعالج بالحكمة والحوار، لا بالعنف الأعمى. كما يجب أن نربيهم على تقبّل الآخر، والعيش معه باحترام، ونبذ التعصب والكراهية بكل أشكالها، لأن مجتمعًا يتربى أفراده على الاحترام المتبادل، هو مجتمع أقل عرضة للعنف وأكثر قدرة على حماية أبنائه ومستقبله.

إننا اليوم أمام مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل؛ فإما أن نواصل إنتاج جيل يرى في العنف لغةً للحياة، وإما أن نصنع جيلًا يؤمن بأن الكلمة الطيبة، والعقل الراجح، والتربية السليمة، هي الطريق الحقيقي إلى مجتمع آمن ومتوازن. فالعنف لا يولد من فراغ، بل تصنعه ثقافة، وتغذية التربية السلبية والإهمال ، ويصمت عنه مجتمع. ولذلك فإن المطلوب، قبل كل شيء، هو تغيير الثقافة التي تحرض على العنف.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا