آخر الأخبار

" إنَّ الله لا يحبُّ المعتدين."

شارك

" إنَّ الله لا يحبُّ المعتدين."
الاعتداء – سواء أكان من قبل الأفراد أم من قبل الدول – سلوك مرفوض دينيا وأخلاقيا وإنسانيا ، لأنه يهدد أمن الإنسان وكرامته، ويقوّض أسس الاستقرار في المجتمعات. وقد حرمته الشرائع السماوية، وجرمته القوانين الوضعية والمواثيق الدولية، لما يترتب عليه من أضرار جسيمة تمس حياة البشر وأمنهم واقتصادهم ومستقبل أجيالهم. فالحروب والنزاعات والاعتداءات لا تخلف وراءها إلا الدمار والخراب، وتزرع في النفوس الألم والحزن، وتُثقل كاهل المجتمعات بأزمات نفسية واقتصادية يصعب تجاوزها.
إن التاريخ الإنساني مليء بالدروس التي تؤكد أن العدوان لا يبني حضارة، ولا يحقق أمنا دائما، بل يقود في النهاية إلى مزيد من العنف والكراهية والدمار. وقد دفعت البشرية أثمانا باهظة نتيجة الحروب والصراعات التي نشبت بسبب الطمع أو التعصب أو السعي إلى الهيمنة. ومع ذلك، ما زال العالم يشهد بين الحين والآخر مظاهر الاعتداء التي تحصد أرواح الأبرياء وتدمر مقدرات الشعوب.
لقد أراد الله تعالى للإنسان أن يعيش في ظل العدل والرحمة، وأن يعمر الأرض بالإصلاح لا بالإفساد، فقال سبحانه: " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". وهذه الآية الكريمة تمثل مبدأً أخلاقيا راسخا يضع حدا لكل أشكال الظلم والعدوان، ويؤكد أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن حق مقدس يجب صونه واحترامه.
كما بين القرآن الكريم أن التنوع بين البشر ليس سببا للصراع أو التفاضل القائم على التعصب، بل هو وسيلة للتعارف والتعاون، قال تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " . فاختلاف الشعوب والثقافات ينبغي أن يكون مصدر غنى حضاري وتبادل إنساني، لا ذريعة للتعالي أو التنازع أو الاعتداء.
إن التعايش الإنساني القائم على الاحترام المتبادل يتطلب من كل فردٍ أن يلتزم بمبدأ أساسي، وهو أن الأصل في الأنفس والأموال والأعراض الحرمة والعصمة. فلا يجوز الاعتداء على حياة الإنسان أو كرامته أو ممتلكاته تحت أي ذريعة. كما يقتضي ذلك الالتزام بالقوانين والأنظمة التي تحمي حقوق الجميع، لأن سيادة القانون هي الضامن الحقيقي للاستقرار والعدل في المجتمعات.
ومع الأسف، فإن بعض الناس – أفرادا أو جماعات – يسعون إلى تبرير اعتداءاتهم بحججٍ واهية، فيقلّلون من شأن الآخرين أو ينكرون حقوقهم أو يصورون العدوان وكأنه دفاع مشروع. وقد يتوسع هذا السلوك ليجد من يسانده أو يبرره، فتضيع الحقائق ويُهدر الحق، ويصبح الظلم أمرا مألوفا في بعض البيئات والمجتمعات.
غير أن الضمير الإنساني الحي يرفض هذا المنطق، ويدعو إلى مراجعة النفس والوقوف عند حدود العدل والإنصاف. ومن أهم وسائل علاج النزعة العدوانية أن يضع الإنسان نفسه مكان الآخر، وأن يسأل ضميره بصدق: هل يقبل أن يُعامل بالأسلوب نفسه الذي يعامل به غيره؟ إن هذا المعيار الأخلاقي البسيط قادر على أن يوقظ في النفوس روح العدالة ويمنعها من الوقوع في الظلم.
إن السلام ليس ضعفا كما يظن البعض، بل هو أعلى درجات القوة الحضارية والوعي الإنساني. فالأمم القوية حقًا هي تلك التي تحترم حقوق الآخرين، وتسعى إلى حل النزاعات بالحكمة والحوار لا بالعنف والسلاح. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي يسود فيها العدل والاحترام المتبادل تكون أكثر قدرة على التقدم والازدهار.
إن عالمنا اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة السلام ونبذ العدوان، وإلى تربية الأجيال على قيم التسامح والعدل واحترام الإنسان. فالحضارات لا تُبنى بالقوة الغاشمة، بل تُبنى بالعلم والعمل والعدل والتعاون بين الشعوب.
واخيرا وليس آخرا ، تبقى الرسالة التي تؤكدها الأديان والقيم الإنسانية واضحة لا لبس فيها: إن الاعتداء ظلم مرفوض، وإن العدالة هي الطريق الوحيد لضمان أمن الإنسان وكرامته. فالله تعالى لا يحب المعتدين، بل يحب العادلين والمحسنين الذين يسعون إلى إصلاح الأرض ونشر الخير والسلام بين الناس. وإذا التزمت البشرية بهذه القيم السامية، فإنها تستطيع أن تبني عالما أكثر عدلا وأمنا وطمأنينة للأجيال القادمة.
الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا