آخر الأخبار

المرحوم عبد الوهاب دراوشة : الرجل الشامخ الباذخ الضّاج الوهّاج

شارك

المرحوم عبد الوهاب دراوشة هذا الرجل الشامخ الباذخ الضّاج الوهّاج الذي انتقل الى رحاب الحي الذي لا يموت!

انطلق نحو الشعبية الطاغية حينما كان نائبا حديث العهد في الكنيست.
يوما ما، رغم حداثة دخوله المرتع البرلماني، دخل الى النجومية السياسية بين عشية وضحاها، بفضل حنكته وبراعته وعجائب قدراته، عندما غادر البلاد في ساعات المساء بسرية تامة (دون تسريبٍ لوسائل الاعلام) متوجها الى دولة اجنبية، قد تكون قبرص او احدى الدول الاوروبية ( اليونان مثلا) محاولا كسر حظر اللقاء مع قادة منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية (فتح) بقيادة ياسر عرفات والتي كانت تعقد مؤتمرها في العاصمة الاردنية عمان على مرمى حجر من فلسطين.
وبعيد مغادرته البلاد، بلغ الخبر التلفزيون الاسرائيلي المتفرد بالبث التلفزيوني في تلك الحقبة الزمنية، وكان يبث بالابيض والاسود وكان الذهول والدهشة يعصفان بمقدمي نشرة الاخبار المركزية (مباط) الذين استعصت عليهم قراءة اسم عضو الكنيست العربي وخاصة اسم عائلته (دراوشة)، التي باركها الله بهذا الرجل، ملح الرجال وصاحب الشخصية الفذة، والذي كان بفضل فعلته هذه رجلا والرجال قليل، بحيث جعل المشاهدين يهودا وعربا، يَنْشَدُّونَ الى تلك الشاشة التي كانت تتابع اخبار الدراما الحاصلة وتفاصيلها اولا باول، مع التنويه بانه لا يعرف مكان تواجده في اعماق تلك الليلة، وهل نجح في الوصول الى عمّان في رحلة سرية، تضاهي اكثر ما تضاهي: رحلات رواد الفضاء الذين كانوا ينطلقون بمركباتهم الفضائية لغزو القمر!
وهكذا تحول المرحوم ابو باسل وفي غضون ساعات من طلاسم المغفول وعوالم المجهول الى عالم الشهرة الحثيثة، بشخصية واثقة اربكت كل زعامات اسرائيل واوقفتهم على رؤوس اصابعهم معترضين على خروجه في هذه المغامرة، بدون ان يتلقى ادنى موافقة منهم وانه يخالف القانون على ضوء قرار حظر اللقاءات مع رجال منظمة التحرير فتح وان الامر كان يعتبر مخالفة يجازَى صاحبها ويعاقب بالسجن كما نص عليه القانون في حينه.
نهاية المطاف وبعد ليلة ليلاء، اتضح انه لم ينجح بالسفر الى عمان ولكنه دلف وقفز الى عوالم الشهرة بذكاء خارق واصبح محور حديث وسائط الاعلام وشغلها الشاغل في العالم كله.
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي انتدبت كصحفي، في غياب المُراسلة البرلمانية، لتغطية وقائع جلسة عقدتها لجنة التربية والتعليم في الكنيست،
خلال الجلسة تحدث عضو الكنيست المرحوم عبد الوهاب دراوشة وعلى الفور أثار مطلق اعجابي بنسق حديثه ونبرة صوته وقدرة التعبير بالعبرية مدافعا عن حقوق الجمهور العربي فلم يقاطعه احد وكان منوال حديثه متسما بالوضوح ولم يجرؤ الحضور على التصدي له باستثناء شخص واحد حين منحه رئيس اللجنة حق الكلام، هذا الشخص كان في حينه مدير قسم التعليم العربي في وزارة المعارف، عمنوئيل كوپوليڤيتش الذي بدأ ينحو باللائمة على المرحوم دراوشة باسلوب التأنيب الصلد والقاسي الذي اكل عليه الدهر وشرب الفانتا زيرو! ذلك الاسلوب الذي اعتاد عليه المسؤولون الاسرائيليون حين كان الأمر يتصل بالمواطنين العرب، استمع دراوشة لكلامه متمعنا في ملامح وقسمات وجهه التي عكست غضبه الشديد(المتحدث).
فما كان من المرحوم دراوشة الا ان قاطعه وأخرسه حين قال له بنبرة صوته الرنانة، الواثقة، الساطعة والقاطعة: "يبدو ان الامور اختلطت على السيد كوپوليڤتش وانه حَسِبَ جدلا وجهلا اننا في جلسة مساءلة في اطار قسم التعليم العربي في وزارة المعارف، بينما نحن في البرلمان وبامكاني ان اطلب الآن من رئيس اللجنة طرده من الجلسة ولكنني لن اطلب ذلك احتراما لذاتي".
لمعت عينا كوپوليڤيتش خجلا واضطرابا من هول الصدمة وشعر بنوع من الخزي والعار وركنَ مرغما الى الخَرَس والسكون والصمت!
تعددت مناقب الفقيد خلال اضطلاعه بعضوية الكنيست وتأسيسه في مرحلة لاحقة: الحزب العربي الديمقراطي.
وكان في طليعتها وقوفه على رأس وفد من المواطنين العرب تألف من ٤٩ شخصية اعتبارية وثمانية صحفيين وبضمنهم كاتب هذه السطور ، في رحلة سفر الى سوريا هي الاولى من نوعها، عن طريق العاصمة المصرية القاهرة، لتقديم واجب العزاء للرئيس حافظ الاسد بالمصاب الجلل: وفاة نجله البكر باسل في عنفوان شبابه في حادث اليم!
الرحلة انطلقت يوم الاحد المصادف ٦ مارس آذار ١٩٩٤ وكان شهر رمضان في اوجه، وهناك في سوريا استقبل بمعية اعضاء الوفد بحفاوة لم يسبق لها مثيل تليق اكثر ما تليق بزعماء الدول!
المرحوم وفي فترة المكوث في سوريا ابدع ابداعا حسنا ومشهودا له في خطبه وحواراته مع القادة المحليين ومع ممثلي الاعلام المحلي والعالمي!
في احد ايام المكوث، طلبت منه الحضور الى غرفتي في فندق شيرتون دمشق، في صباح اليوم التالي، لاجراء مقابلات معه بالبث المباشر وكنت اغطي اخبار الوفد لثلاث وسائل اعلام: الاذاعة العربية والاذاعة العبرية وصحيفة معاريڤ!
وكان ان حضر الى غرفتي باكرا وجلس بتواضع جمّ على حاشية السرير حتى تم الاتصال بنا واجراء المقابلات معه.
عبر طبيعة عمله البرلماني المرحوم يكون قد فتح مدرسة لمن تلاه في العضوية البرلمانية وكان حازما شديد المراسومحاورا صلبا، وقّادا، عملاقا ومقداما!
تتنزل عليه خزائن الرحمة من الله ارحم الراحمين
ومستقره ومأواه الفردوس الاعلى في الجنة
في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا