المرحوم عبد الوهاب دراوشة هذا الرجل الشامخ الباذخ الضّاج الوهّاج الذي انتقل الى رحاب الحي الذي لا يموت!
انطلق نحو الشعبية الطاغية حينما كان نائبا حديث العهد في الكنيست.
يوما ما، رغم حداثة دخوله المرتع البرلماني، دخل الى النجومية السياسية بين عشية وضحاها، بفضل حنكته وبراعته وعجائب قدراته، عندما غادر البلاد في ساعات المساء بسرية تامة (دون تسريبٍ لوسائل الاعلام) متوجها الى دولة اجنبية، قد تكون قبرص او احدى الدول الاوروبية ( اليونان مثلا) محاولا كسر حظر اللقاء مع قادة منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية (فتح) بقيادة ياسر عرفات والتي كانت تعقد مؤتمرها في العاصمة الاردنية عمان على مرمى حجر من فلسطين.
نهاية المطاف وبعد ليلة ليلاء، اتضح انه لم ينجح بالسفر الى عمان ولكنه دلف وقفز الى عوالم الشهرة بذكاء خارق واصبح محور حديث وسائط الاعلام وشغلها الشاغل في العالم كله.
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي انتدبت كصحفي، في غياب المُراسلة البرلمانية، لتغطية وقائع جلسة عقدتها لجنة التربية والتعليم في الكنيست،
لمعت عينا كوپوليڤيتش خجلا واضطرابا من هول الصدمة وشعر بنوع من الخزي والعار وركنَ مرغما الى الخَرَس والسكون والصمت!
تعددت مناقب الفقيد خلال اضطلاعه بعضوية الكنيست وتأسيسه في مرحلة لاحقة: الحزب العربي الديمقراطي.
وكان في طليعتها وقوفه على رأس وفد من المواطنين العرب تألف من ٤٩ شخصية اعتبارية وثمانية صحفيين وبضمنهم كاتب هذه السطور ، في رحلة سفر الى سوريا هي الاولى من نوعها، عن طريق العاصمة المصرية القاهرة، لتقديم واجب العزاء للرئيس حافظ الاسد بالمصاب الجلل: وفاة نجله البكر باسل في عنفوان شبابه في حادث اليم!
الرحلة انطلقت يوم الاحد المصادف ٦ مارس آذار ١٩٩٤ وكان شهر رمضان في اوجه، وهناك في سوريا استقبل بمعية اعضاء الوفد بحفاوة لم يسبق لها مثيل تليق اكثر ما تليق بزعماء الدول!
المرحوم وفي فترة المكوث في سوريا ابدع ابداعا حسنا ومشهودا له في خطبه وحواراته مع القادة المحليين ومع ممثلي الاعلام المحلي والعالمي!
في احد ايام المكوث، طلبت منه الحضور الى غرفتي في فندق شيرتون دمشق، في صباح اليوم التالي، لاجراء مقابلات معه بالبث المباشر وكنت اغطي اخبار الوفد لثلاث وسائل اعلام: الاذاعة العربية والاذاعة العبرية وصحيفة معاريڤ!
وكان ان حضر الى غرفتي باكرا وجلس بتواضع جمّ على حاشية السرير حتى تم الاتصال بنا واجراء المقابلات معه.
عبر طبيعة عمله البرلماني المرحوم يكون قد فتح مدرسة لمن تلاه في العضوية البرلمانية وكان حازما شديد المراسومحاورا صلبا، وقّادا، عملاقا ومقداما!
تتنزل عليه خزائن الرحمة من الله ارحم الراحمين
ومستقره ومأواه الفردوس الاعلى في الجنة
في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر
المصدر:
كل العرب