لم تكن المفاوضات التي قادتها إدارة ترامب سوى عروض استعراضية تُدار بنية مبيّتة، لا بهدف الوصول إلى حلول، بل بهدف خلق انطباع زائف بأن هناك عملية سياسية جارية. فالفشل في محادثات عُمان وسويسرا مع إيران، ثم الاندفاع السريع نحو الحرب، يكشفان أن ما جرى لم يكن مساراً دبلوماسياً حقيقياً، بل غطاءً لقرارات عسكرية كانت جاهزة منذ البداية. لقد بُنيت العملية التفاوضية على هيكل هش، قائم على الولاء الشخصي لا على الخبرة، وعلى الاندفاع لا على التخطيط، وعلى الرغبة في تسجيل نقاط إعلامية لا في تحقيق اختراقات سياسية.
في سابقة غير معهودة، أُوكلت إدارة ثلاثة صراعات تاريخية إلى دائرة ضيقة من الأصدقاء والمقرّبين، في تجاهل كامل لمؤسسات الدولة وخبراتها. ومع غياب الخبرة، غابت البوصلة. السياسة الأميركية في أوكرانيا وإيران وفلسطين تحركت بلا استراتيجية، بلا رؤية، وبلا أي تنسيق بين الوسائل والغايات. ففي أوكرانيا، ظهر الانحياز ضد كييف واضحاً، مقابل تردد في الضغط على موسكو، ما جعل أي جهد تفاوضي محكوماً بالفشل. وفي إيران، تناقضت التصريحات حول أهداف الحرب، وتحوّلت المفاوضات إلى عملية تضليل، حيث كانت المطالب الأميركية ترتفع إلى مستويات غير قابلة للتحقق، بينما كانت الخطط العسكرية تتقدم على الأرض.
الحرب على إيران كانت الدليل الأكبر على عبثية تلك المفاوضات. فبينما كان الوسطاء يظنون أنهم أمام عملية تفاوضية حقيقية، كانت واشنطن وتل أبيب تستعدان للحرب. حتى الوسطاء الإقليميون وجدوا أنفسهم معزولين في اللحظة الأخيرة، بعدما اكتشفوا أن كل ما جرى لم يكن سوى مسرحية سياسية. كيف يمكن لطرف أن يثق بوعود إدارة انسحبت من الاتفاق النووي ثم طالبت بتنازلات أكبر؟ وكيف يمكن لفريق تفاوضي أن يتوقع قبولاً إيرانياً بشروط غير واقعية، بينما يرفع سقف مطالبه إلى حد يستحيل تنفيذه؟
وفي غزة، لم تكن الأمور أفضل حالاً. فقد تحولت “خطة السلام” إلى عرض علاقات عامة، بلا أدوات تنفيذ، وبلا ضغط على أي طرف، وبلا إشراك جدي للفلسطينيين. خطة “اليوم التالي” التي رُوّج لها بدت أقرب إلى خيال سياسي منفصل عن الواقع، في ظل استمرار الاحتلال، وغياب أي دور فعلي للسلطة الفلسطينية، وتجاهل كامل للواقع الإنساني القاسي في القطاع. كانت العملية برمتها محاولة لتسويق إنجاز سياسي، لا لبناء مسار حقيقي نحو الاستقرار.
غياب الخبرة كان واضحاً في كل الملفات. فالفريق الذي قاد المفاوضات لم يمتلك فهماً لجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا لطبيعة التداخل الديني والجغرافي، ولا لمطالب الطرفين. وفي أوكرانيا، كان الضغط موجهاً نحو كييف للتنازل عن أراضٍ استراتيجية، بينما كانت موسكو تواصل حربها بلا نية للتراجع. أما في إيران، فقد كان سقف المطالب الأميركية مرتفعاً إلى حد يستحيل قبوله، ما جعل أي اتفاق غير ممكن منذ البداية.
حتى الانضباط في الرسائل كان غائباً. ففي الوقت الذي كان الوسطاء يجلسون مع الأطراف، كانت التصريحات المتناقضة تُنشر على منصات التواصل، ما جعل الشركاء لا يعرفون ما الذي يمكن تصديقه. ومع رئيس متقلب، ومفاوضين هواة، وتضارب مصالح، وغياب استراتيجية، كان الفشل نتيجة حتمية.
اليوم، وبعد أن تحولت الملفات الثلاثة إلى ساحات حرب مفتوحة، يتضح أن ما سُمّي مفاوضات لم يكن سوى واجهة لسياسات معدّة مسبقاً. النية الاستعراضية كانت أقوى من أي رغبة حقيقية في التوصل إلى حلول، والنتيجة أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في حالة حرب، وروسيا وأوكرانيا ما تزالان في حرب، وإسرائيل وحماس كذلك. لقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية ليست عرضاً إعلامياً ولا صفقة عقارية، بل علم وخبرة وإرادة سياسية. وكل ذلك كان غائباً تماماً، فكانت النتائج كارثية على الجميع.
المصدر:
كل العرب