حِينَ يُمْنَعُ المُسْلِمُونَ مِنَ الأَقْصَى… يَتَصَدَّعُ نِظَامُ حِمَايَةِ مُقَدَّسَاتِ القُدْسِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالمَسِيحِيَّةِ.
د. كَامِل رَيَّان
مُخْتَصٌّ بِشُؤُونِ القُدْس
لَمْ يَكُنِ المَسْجِدُ الأَقْصَى المُبَارَكُ عَبْرَ التَّارِيخِ مُجَرَّدَ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ، بَلْ كَانَ قَلْبَ النِّظَامِ القَانُونِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ "ألستاتيكو "الَّذِي نَظَّمَ عِلَاقَةَ المُقَدَّسَاتِ فِي القُدْسِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. هَذَا النِّظَامُ الَّذِي تَشَكَّلَ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ، بَدْءًا مِنَ العَهْدِ العُثْمَانِيِّ مَرُورًا بِفَتْرَةِ الاِنْتِدَابِ البِرِيطَانِيِّ وَالحُكْمِ الأُرْدُنِّيِّ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَرْتِيبٍ إِدَارِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ مَنْظُومَةً قَانُونِيَّةً وَرُوحِيَّةً مُتَكَامِلَةً حَافَظَتْ عَلَى تَوَازُنٍ دَقِيقٍ بَيْنَ المُقَدَّسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالمَسِيحِيَّةِ فِي المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ. وَقَدْ قَامَ هَذَا التَّوَازُنُ عَلَى قَاعِدَةٍ وَاضِحَةٍ: المَسْجِدُ الأَقْصَى مَكَانُ عِبَادَةٍ خَالِصٌ لِلْمُسْلِمِينَ، تُدِيرُهُ الأَوْقَافُ الإِسْلَامِيَّةُ تَحْتَ الوِصَايَةِ الهَاشِمِيَّةِ، بَيْنَمَا تُصَانُ لِلْمُقَدَّسَاتِ المَسِيحِيَّةِ حُقُوقُهَا الدِّينِيَّةُ وَالتَّارِيخِيَّةُ وَفْقَ التَّرْتِيبَاتِ نَفْسِهَا الَّتِي شَكَّلَتْ مَعًا مَا عُرِفَ تَارِيخِيًّا بِنِظَامِ الوَضْعِ الرَّاهِنِ."ألستاتيكو".
مِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَا نَشْهَدُهُ اليَوْمَ مِنْ مَنْعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى أَوْ تَقْيِيدِ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ كَإِجْرَاءٍ أَمْنِيٍّ عَابِرٍ أَوْ تَنْظِيمٍ مُؤَقَّتٍ لِلْحَرَكَةِ دَاخِلَ المَسْجِدِ، بَلْ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ مَسَاسٌ مُبَاشِرٌ بِأَحَدِ أَهَمِّ أَعْمِدَةِ النِّظَامِ القَانُونِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ الَّذِي حَكَمَ القُدْسَ وَمُقَدَّسَاتِهَا. فَحِينَ يُمْنَعُ أَصْحَابُ الحَقِّ الطَّبِيعِيِّ وَالدِّينِيِّ مِنَ الوُصُولِ إِلَى مَسْجِدِهِمْ، فَإِنَّ الأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِحُرِّيَّةِ العِبَادَةِ، بَلْ يَتَّصِلُ أَيْضًا بِالسُّؤَالِ الأَكْبَرِ: مَنْ يَمْلِكُ القَرَارَ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى؟ وَمَنْ يَمْلِكُ سُلْطَةَ فَتْحِهِ أَوْ إِغْلَاقِهِ أَمَامَ المُصَلِّينَ؟
إِنَّ التَّارِيخَ وَالاِتِّفَاقِيَّاتِ الدُّوَلِيَّةَ وَالإِقْلِيمِيَّةَ تُعْطِي إِجَابَةً وَاضِحَةً عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. فَإِدَارَةُ المَسْجِدِ الأَقْصَى وَتَنْظِيمُ شُؤُونِهِ الدِّينِيَّةِ هِيَ مِنْ صَلَاحِيَّاتِ الأَوْقَافِ الإِسْلَامِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْوِصَايَةِ الهَاشِمِيَّةِ، وَهِيَ الجِهَةُ المُخَوَّلَةُ تَارِيخِيًّا وَقَانُونِيًّا بِتَنْظِيمِ الدُّخُولِ إِلَى المَسْجِدِ وَإِدَارَتِهِ دِينِيًّا وَإِدَارِيًّا. إِنَّ تَجَاوُزَ هَذِهِ الصَّلَاحِيَّاتِ أَوِ الاِلْتِفَافَ عَلَيْهَا يَعْنِي عَمَلِيًّا تَقْوِيضَ الوِصَايَةِ الهَاشِمِيَّةِ الَّتِي تُمَثِّلُ الاِمْتِدَادَ التَّارِيخِيَّ لِلنِّظَامِ منذ عام ١٩٢٤ والَّذِي حَمَى المُقَدَّسَاتِ فِي القُدْسِ طِوَالَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
غَيْرَ أَنَّ الخُطُورَةَ فِي الإِجْرَاءَاتِ الَّتِي نَشْهَدُهَا اليَوْمَ لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي المَسِّ بِصَلَاحِيَّاتِ الأَوْقَافِ أَوْ فِي تَقْيِيدِ حَقِّ المُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ فِيمَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. فَالتَّارِيخُ القَرِيبُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ التَّغْيِيرَاتِ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى لَمْ تَكُنْ يَوْمًا تَغْيِيرَاتٍ فَجَائِيَّةً، بَلْ كَانَتْ تَتِمُّ عَبْرَ سِيَاسَةٍ مُتَدَرِّجَةٍ تَقُومُ عَلَى تَحْوِيلِ الإِجْرَاءَاتِ المُؤَقَّتَةِ إِلَى وَاقِعٍ دَائِمٍ. تَبْدَأُ الخُطْوَةُ بِإِجْرَاءَاتٍ أَمْنِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى قُيُودٍ ثَابِتَةٍ، ثُمَّ تُبْنَى عَلَيْهَا تَرْتِيبَاتٌ جَدِيدَةٌ تُغَيِّرُ تَدْرِيجِيًّا طَبِيعَةَ المَكَانِ وَنِظَامَ إِدَارَتِهِ.
وَقَدْ مَرَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى بِمَحَطَّاتٍ مِفْصَلِيَّةٍ مُنْذُ عَامِ 1967، حِينَ نُقِلَتِ السَّيْطَرَةُ الأَمْنِيَّةُ إِلَى الشُّرْطَةِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ، ثُمَّ عَامَ 2000 عِنْدَمَا تَحَوَّلَتِ الاِقْتِحَامَاتُ إِلَى ظَاهِرَةٍ مُنَظَّمَةٍ وَمَحْمِيَّةٍ سِيَاسِيًّا، وُصُولًا إِلَى السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ الَّتِي تَشْهَدُ مُحَاوَلَاتٍ مُتَزَايِدَةً لِفَرْضِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ يَقُومُ عَلَى تَقْلِيصِ الحُضُورِ الإِسْلَامِيِّ وَفَتْحِ المَجَالِ أَمَامَ طُقُوسٍ دِينِيَّةٍ أُخْرَى دَاخِلَ المَسْجِدِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ فَإِنَّ مَنْعَ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ تَقْيِيدَ دُخُولِهِمْ لَيْسَ تَفْصِيلًا عَابِرًا، بَلْ حَلْقَةً جَدِيدَةً فِي سِلْسِلَةٍ تَهْدِفُ إِلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَاقِعِ القَائِمِ فِي الأَقْصَى.
غَيْرَ أَنَّ المَسَاسَ بِالمَسْجِدِ الأَقْصَى لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ المُقَدَّسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَتَجَاوَزُهَا لِيُهَدِّدَ البِنْيَةَ الكَامِلَةَ الَّتِي تَحْمِي مُقَدَّسَاتِ القُدْسِ كُلَّهَا. فَالنِّظَامُ التَّارِيخِيُّ الَّذِي نَظَّمَ شُؤُونَ المُقَدَّسَاتِ فِي المَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ مَنْظُومَةً مُتَكَامِلَةً تَحْكُمُ العِلَاقَةَ بَيْنَ جَمِيعِ المُقَدَّسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالمَسِيحِيَّةِ فِي القُدْسِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ أَيَّ خَرْقٍ لِهَذَا النِّظَامِ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى يُشَكِّلُ سَابِقَةً خَطِيرَةً قَدْ تَمْتَدُّ آثَارُهَا إِلَى المُقَدَّسَاتِ المَسِيحِيَّةِ أَيْضًا.
لَقَدْ ظَلَّتِ الكَنَائِسُ وَالأَدْيِرَةُ وَالأَوْقَافُ المَسِيحِيَّةُ فِي القُدْسِ عَبْرَ التَّارِيخِ مَحْمِيَّةً ضِمْنَ الإِطَارِ نَفْسِهِ الَّذِي حَمَى المَسْجِدَ الأَقْصَى، وَهُوَ الإِطَارُ الَّذِي مَنَعَ أَيَّ طَرَفٍ مِنْ تَغْيِيرِ الوَاقِعِ الدِّينِيِّ القَائِمِ أَوْ فَرْضِ تَرْتِيبَاتٍ جَدِيدَةٍ بِالقُوَّةِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا النِّظَامُ يُمَسُّ اليَوْمَ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الَّتِي تُرْسَلُ عَمَلِيًّا هِيَ أَنَّ هَذَا النِّظَامَ لَمْ يَعُدْ مُلْزِمًا كَمَا كَانَ فِي السَّابِقِ، وَأَنَّ البَابَ بَاتَ مَفْتُوحًا أَمَامَ تَغْيِيرَاتٍ قَدْ تَطَالُ فِي المُسْتَقْبَلِ مُقَدَّسَاتٍ أُخْرَى فِي المَدِينَةِ.
مِنْ هُنَا فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ المَسْجِدِ الأَقْصَى لَيْسَ قَضِيَّةً إِسْلَامِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ دِفَاعٌ عَنْ مَنْظُومَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ التَّوَازُنَاتِ الَّتِي حَمَتِ الطَّابِعَ الدِّينِيَّ وَالتَّارِيخِيَّ لِلْقُدْسِ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ. فَحِينَ يَتَصَدَّعُ هَذَا النِّظَامُ فِي أَحَدِ أَرْكَانِهِ الأَسَاسِيَّةِ، تُصْبِحُ بَقِيَّةُ الأَرْكَانِ مُعَرَّضَةً لِلضَّغْطِ وَالتَّغْيِيرِ.
أَمَّا الوِصَايَةُ الهَاشِمِيَّةُ، الَّتِي شَكَّلَتْ عَلَى مَدَارِ عُقُودٍ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي حِمَايَةِ هَذَا النِّظَامِ، فَإِنَّهَا اليَوْمَ أَمَامَ اخْتِبَارٍ تَارِيخِيٍّ جَدِيدٍ. فَهَذِهِ الوِصَايَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ عُنْوَانٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ رَمْزِيٍّ، بَلْ كَانَتْ إِطَارًا عَمَلِيًّا لِإِدَارَةِ الأَوْقَافِ الإِسْلَامِيَّةِ وَصِيَانَةِ المَسْجِدِ الأَقْصَى وَالحِفَاظِ عَلَى هُوِيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ. وَأَيُّ مَسَاسٍ بِصَلَاحِيَّاتِ الأَوْقَافِ أَوْ تَجَاوُزٍ لِدَوْرِهَا يَعْنِي عَمَلِيًّا تَقْوِيضَ الأَسَاسِ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الوِصَايَةُ.
إِنَّ القُدْسَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ عَادِيَّةٍ يُمْكِنُ إِعَادَةُ تَرْتِيبِ شُؤُونِهَا بِقَرَارَاتٍ إِدَارِيَّةٍ أَوْ أَمْنِيَّةٍ. إِنَّهَا مَدِينَةٌ قَامَتْ عِلَاقَتُهَا بِمُقَدَّسَاتِهَا عَلَى تَوَازُنٍ تَارِيخِيٍّ دَقِيقٍ، وَأَيُّ عَبَثٍ بِهَذَا التَّوَازُنِ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَخَاطِرَ سِيَاسِيَّةً وَدِينِيَّةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ المَكَانِ نَفْسِهِ. فَالمَسْجِدُ الأَقْصَى لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَسْجِدٍ، كَمَا أَنَّ الكَنَائِسَ التَّارِيخِيَّةَ فِي القُدْسِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ دُورِ عِبَادَةٍ، بَلْ كِلَاهُمَا جُزْءٌ مِنْ مَنْظُومَةٍ وَاحِدَةٍ شَكَّلَتْ هُوِيَّةَ المَدِينَةِ وَرُوحَهَا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْعَ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَحَادِثَةٍ مَعْزُولَةٍ، بَلْ كَإِشَارَةِ تَحْذِيرٍ إِلَى أَنَّ النِّظَامَ الَّذِي حَمَى مُقَدَّسَاتِ القُدْسِ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ يَتَعَرَّضُ اليَوْمَ لِتَآكُلٍ خَطِيرٍ. وَإِذَا اسْتَمَرَّ هَذَا المَسَارُ دُونَ مَوْقِفٍ وَاضِحٍ مِنْ أَصْحَابِ المَسْؤُولِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الوِصَايَةُ الهَاشِمِيَّةُ وَالمُجْتَمَعُ الدُّوَلِيُّ وَالمَرْجِعِيَّاتُ الدِّينِيَّةُ فِي المَدِينَةِ، فَإِنَّ مَا يَجْرِي اليَوْمَ فِي الأَقْصَى قَدْ يَتَحَوَّلُ غَدًا إِلَى نَمُوذَجٍ يُفْرَضُ عَلَى بَقِيَّةِ مُقَدَّسَاتِ القُدْسِ.
فَالقُدْسُ لَا تُحْفَظُ بِتَوَازُنِ القُوَّةِ، بَلْ بِتَوَازُنِ الشَّرْعِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى مُقَدَّسَاتِهَا عَبْرَ العُصُورِ. وَإِذَا سَقَطَ هَذَا النِّظَامُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي سَيُطْرَحُ سَرِيعًا لَنْ يَكُونَ عَنْ مَصِيرِ الأَقْصَى وَحْدَهُ، بَلْ عَنْ مَصِيرِ كُلِّ المُقَدَّسَاتِ ألإسلامية واٌلمسيحيةِ الَّتِي تَعِيشُ تَحْتَ مِظَلَّتِهِ.
المصدر:
كل العرب