تعتبر الحرب الحالية بأنها الحرب الأولى المشتركة علنياً تخطيطا وقرارا وتنفيذا، ويُكثِر المستوى الأمني وكذلك المحللين من استخدام
مفهوم المزامنة في إشارة الى العمل المشترك لخلق تنسيق بين الأحداث بهدف تشغيل نظام ما بطريقة موحدة. وهي تختلف جوهريا من
وجهة النظر الإسرائيلية عن الدعم الأمريكي وحتى عن المظلة الحربية الامريكية لإسرائيل. تشهد هذه الحرب تقاسما للأدوار بين
كون اسرائيل تعمل بشكل محوري وعضوي ضمن القيادة الوسطى الامريكية (سنتكوم).
في 16 شباطفبراير أكد قائد الأركان الإسرائيلي أمام ضباطه بأن إسرائيل موجودة في حرب متعددة الجبهات في العام 2026 وأنّ
المعركة متعددة الجبهات ستبقى في وتيرة عالية وهجومية. فيما كرر هذا المفهوم يوم الثاني من اذارمارس بتصريحه لقد بدأنا بحرب
هجومية على حزب الله وذلك في اعقاب الصواريخ التي أطلقها الأخير من لبنان نحو إسرائيل، في المقابل أشاد بالطيارين الإسرائيليين
الذين يغيرون على طهران وانحاء إيران بقوله نتم تصنعون تاريخاً. على مستوى القرار السياسي يؤكد نتنياهو ان الهدف الاسمى
لغاية بدء الحرب على ايران.
بخلاف الرواية الإسرائيلية المتداولة منذ عقود والقائمة على القيم المشتركة كأساس للعلاقة مع الولايات المتحدة، تتبلور رواية مختلفة
ومفادها، بأن العلاقات بسياق تاريخي تؤكد على أن التحالف السياسي العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة يعتمد أولاً وقبل كل شيء
على قوة إسرائيل، ووفقا لذلك على الدور الذي بمقدارها ان تلعبه في خدمة المصالح الامريكية الكونية او بتداخل الأهداف. هذا ما يحصل
في الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران. فيما تشهد الرواية الامريكية تحولا في الاتجاه ذاته، وهو ما يتماشى مع خطاب السلام بالقوة
تطبيقه خارجيا بمفهوم عدم التورط في حروب خارجية، وأن تدفع الدول تكاليف حروبها وليس الولايات المتحدة. والانتقال من ذلك الى
مفهوم أن أمريكا العظيمة والتي تستعيد مجدها وفقا لترامب قادرة على التدخل في صراعات او اختلاقها والاعتماد على ان قوتها
العظمى تتيح لها حسمها دون التورط في حرب طويلة الأمد ومكلفة. في موازاة ذلك كله تقوم السياسة الامريكية على إبطال دور مجلس
الامن والمؤسسات الأممية وإنفاد دور مجلس السلامالذي لا ينحصر دوره في انهاء الحرب على غزة بل يتسع نحو التعاطي مع
الصراعات الدولية بما يخدم الولايات المتحدة وهيمنتها وحصريا إدارة ترامب.
تتويجا لعلاقات متطورة جدا، تشكل بالنسبة لإدارة ترامب لِبنة إضافية في ترسيخ محاور تخدم مصالحها العليا في تنافسها مع الصين،
بينما بالنسبة الى إسرائيل فإن الحلف مع الهند شرقا ومع كل من قبرص واليونان غربا، هو نوع التحالفات الإسرائيلية المعنية بها غير
العربية وغير الإسلامية بل تطويق دول الإقليم.
تقوم بنية العلاقة الامريكية الإسرائيلية المتبلورة على الشراكة في تطوير القدرات الحربية وفي التكنولوجيا عالية التطور والذكاء
الاصطناعي حيث تقدم إسرائيل نفسها بأنها من أكثر الدول تطورا في هذه المجالات. كما تسوّق قدراتها السيبرانية والاستخبارية
العسكرية فائقة التطور امام إدارة ترامب باعتبار الولايات المتحدة تحتاج الى هذه القدرات، وقد برهنت إسرائيل ذلك في عمليات كبرى
مثل تفجيرات أجهزة الاتصال في لبنان التابعة لحزب الله والتي حسمت المعركة وأنهت حالة الردع المتبادل، لتكتمل باغتيال قيادة حزب
الله العسكرية والسياسية وأمينه العام. فيما تكررت هذه القدرات في تصفية قيادات الصف الأول في الضربة الأولى لإيران يوم 272
وتصفية المرشد الأعلى اعتمادا على قدرات أمريكية إسرائيلية بعد ان اقتنعت إدارة ترامب بهذه القدرات وطورتها، ولتتحول اهداف
الحرب أمريكيا الى تصفية النظام الإيراني وتفكيك منظومات الدولة لتتطابق الأهداف مع اهداف إسرائيل ولتتقاسم الدولتان المهام الحربية
العملياتية.
في خطابه يوم 1592025 تحدث نتنياهو عن عقيدة اسبارطة الدفاعية الهجومية وعسكرة الحيّز التي يسعى الى ترسيخها في
إسرائيل، والتحول الى دولة تواجه عزلة دولية بما فيه غربية، تقوم بالاعتماد على قدراتها الذاتية والتحول الى دولة ذات مواصفات دولة
عظمى بفضل هذه القدرات والقوة تكون قادرة على التجاوب ذاتيا مع استحقاقات التحديات الأمنية، في غياب او تغييب الأفق السياسي
بديلا عن سياسات السيطرة والحلول الأمنية. تتكامل هذه التصريحات مع القرار الإسرائيلي بنقل العلاقات مع الولايات المتحدة الى
مستوى جديد وذلك في الاعداد لبلورة خطة التعاون متعددة السنوات للعقد القادم. تنوي إسرائيل من خلال هذا التحول الى الانتقال من
مفهوم المساعدات الامريكية العسكرية على أساس سنوي وبرؤية متعدد السنوات، الى شراكة في تطوير الأسلحة والقدرات الحربية والى
شراكة في الحروب كما يحدث في الحرب الحالية على ايران.
شكلت عملية الولايات المتحدة العدوانية على فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو وتغيير سدّة الحكم وسياسات الدولة بما يتماشى مع
أولويات الولايات المتحدة، نموذجا لاستحداث نمط امريكي تم استخدامه في الماضي. كما شكلت نمطا للإصرار الأمريكي على السيطرة
على خيرات بلدان في العالم تخدم أولويات الدولة العظمى في مجالات الهيمنة على سياسات الطاقة والمعادن الثمينة التي تستخدم في
من فنزويلا بعد العدوان الأمريكي، كانت الى إسرائيل بعد ان كانت قطعت علاقتها بها منذ 5 سنوات. تندرج الحرب على ايران في
اعتبارها ثاني دولة تسعى الولايات المتحدة الى الإطاحة بنظامها وتفكيك منظوماتها وتغيير هويتها بما يخدم مصالح واولويات الولايات
المتحدة ليس ضمن حدود ايران بل على نطاق العالم وحصريا في المنافسة مع الصين.
تكثر التقديرات الصحفية الإسرائيلية بأن البعد الدولي والنظام العالمي والتجارة العالمية كلها تقف وراء قرار الحرب الذي اتخذته إدارة
ترامب. مفاد هذه القراءات هو ان الإدارة ليست منشغلة فعليا في الملف الصاروخي والنووي حيث من الممكن التوصل الى اتفاق بشأنهما
وبأكثر من صيغة، بينما ما تريده الولايات المتحدة وأعلنت عنه بعد بدء الحرب على ايران هو تغيير النظام وهوية الدولة بما يتساوق مع
الطموحات الامريكية في مسألة الممرات المائية والبرية للتجارة العالمية، وفي مسألتي المعادن الثمينة المذكورة وكذلك السيطرة على
أسواق الطاقة العالمية.
ترى الولايات المتحدة بأن ايران تشكل حلقة غاية في الأهمية الاستراتيجية بالنسبة الى الاقتصاد الصيني والتطور التكنولوجي الفائق، هذا
بالإضافة الى الموقع الجيوسياسي لهذه الدولة العظمى إقليميا والتي في حال اسقاط نظامها ستنقطع معه الى حد كبير طرق وممرات
التجارة الصينية وتضعف دورها دوليا وحصريا امام اهم حلفائها أي الدول التي تتمتع بالاقتصادات الناشئة او دول العالم الثالث التي
تحظى بامتيازات صينية جوهرية. فالصين تعتمد على النفط الإيراني، وتستلمه بأسعار تصل الى الى 30% من سعر السوق العالمية
نظرا للحظر المفروض أمريكياً على ايران والتي توفر أيضا مصدرا للمعادن الثمينة. فيما ان سيطرة الولايات المتحدة على ايران
والاطاحة بنظامها حتى ولو بثمن خسائر أمريكية بشرية وحربية، فإن الحرب اقرب الى الاستثمار الرابح فيما لو تحققت أهدافها. كما
تراهن إدارة ترامب وفقا لتحليلات إسرائيلية مستقلة، على ان السيطرة على ايران تضمن ارتفاع تكلفة انتاج البضائع الصينية وعلى
أساس ذلك ثمنها في السوق العالمية بما يفوق حتى مردود رفع الضرائب الجمركية الامريكية على هذه البضائع والتي عادة ما تواجهها
الصين بإجراءات جمركية مضادة، بينما سحب دولتين (فنزويلا وايران) من سوق النفط والطاقة والمعادن المؤاتية للصين وروسيا
ولصالح الولايات المتحدة يعتبر انتصارا استراتيجيا لصالحها أيضا.
اعتماد مفهوم المزامنة بين أحدث القدرات الحربية في كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على ايران، انما يعتبر الوسيلة
الأكثر نفادا لتحقيق هدف كل من الإدارة الامريكية وحكومة إسرائيل. فيما ان زعزعة الاستقرار الإقليمي وزعزعة الاقتصاد العالمي قد
تخرج عن السيطرة وتؤدي الى أزمات كبرى دولية.
الحرب على ايران: الحرب الامريكية الإسرائيلية المشتركة الأولى علنيا، ولن تتوقف عند ايران
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
تشكل الحرب الامريكية الإسرائيلية بداية عهد متطور للغاية والأكثر خطورة على المنطقة والعالم في العلاقات بين البلدين
وقائم على التحول من نمط المساعدات الامريكية الى لشراكة بين الأقوياءفي السعي الى إدارة حروب الهيمنة على النظام
الدولي والاقتصاد العالمي. هذه العلاقة لا تنحصر في العلاقة مع الولايات المتحدة بل في طبيعة احلاف إسرائيل مع الهند شرقا
ومع اليونان وقبرص غربا. في حين أن تطوير نمط العلاقة التكاملية حربيا وعلنا بين إسرائيل والولايات المتحدة يؤكد ان
إسرائيل ليست بصدد حلول سلمية سياسية بل أمنية لا أكثر وتعتمد على الهيمنة والضبط.
يبدو ان مواصلة الحرب الامريكية الإسرائيلية على ايران لا تقتصر على الأهداف المعلنة بدعم الشعب الإيراني والتخلص من
ملفي الصواريخ والنووي، بل لها اهداف فرض هيمنة دولية على أساس مبدأ القوة ومقابل تعطيل كل المرجعيات الدولية
الأممية المعتمدة وسعيا لتقويضها من خلال اليات جديدة بما فيها مجلس السلام برئاسة ترامب.
تبدو المعركة على النظام الإيراني ستكون حاسمة في العلاقات الدولية، وفي حال نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في اسقاط
النظام وبنية الدولة سوف تدفع الأمور الى تقويض اية احتمالية استقرار إقليميا ودوليا. كما ستكون دول أخرى عربياً وإقليميا
مرشحةً لتطبيق هذا النموذج. وفي حال أخفقت الحرب في تحقيق هدفها المذكور سوف ترتد على السياسة الامريكية والهيمنة
وعلى ترامب ونتنياهو سياسيا كلّ في بلده. فيما ان إخفاق هذه الحرب سوف يعزز الاستقرار في المنطقة في المدى البعيد،
ورغما عن التوترات الحاصلة بين ايران ودول الخليج.
غنيّ
المصدر:
كل العرب