في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد السلاح في مجتمعنا أمرا مألوفا و مقلقا جدا في آن واحد. لم يعد السلاح حكرا على الخارجين عن القانون، بل بات موجودا في أيدي شباب دون سن العشرين، وأحيانا داخل بيوت عائلات محترمة، تستخدمه في نزاعات عائلية أو لحماية نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف وصلنا إلى هذا الوضع المزري , ولماذا ؟ وكيف امتلك أبناء مجتمعنا هذا الكم الهائل من السلاح المهرب؟
انتشار السلاح لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وضعف الرقابة، ووجود شبكات تهريب منظمة تستغل الثغرات الأمنية. عندما يغيب الردع الحقيقي، وتصبح عقوبة حيازة السلاح أو الاتجار به غير رادعة أو غير مطبقة بصرامة، يتحول السلاح إلى سلعة متداولة كأي بضاعة أخرى في السوق السوداء.
كما أن سهولة الوصول إلى السلاح، وانخفاض سعره مقارنة بخطورته، جعلاه في متناول أيدي المراهقين والشباب، الذين قد يتخذون قرارا متهورا في لحظة غضب يودي بحياة إنسان.
الناس لا يشترون السلاح عبثا. هناك دوافع نفسية واجتماعية تقف خلف ذلك، منها:
الشعور بانعدام الأمان وفقدان الثقة في قدرة أجهزة الامن والشرطة والقانون على الحماية.
الخوف من عائلات متخاصمة أو عصابات إجرامية. ثقافة “الردع الشخصي” بدل اللجوء إلى القانون.
ضغط اجتماعي يرى في حمل السلاح مظهر قوة وهيبة. لكن الحقيقة المؤلمة أن السلاح لا يجلب الأمان، بل يضاعف الخوف ويحول أي خلاف بسيط إلى مأساة. وكما قالت العرب: “السلاح بأيد الجبان يجرح”، فكيف إذا كان في يد شاب متهور لا يدرك عواقب أفعاله؟
في الماضي، كانت الخلافات تُحل عبر وجهاء وإصلاح ذات البين. أما اليوم، فكثير من النزاعات تُحسم بالرصاص. بغياب أسلوب الحوار، وتراجعت مكانة العقل والحكمة، وحل مكانهما منطق القوة والسلاح, وهذا يشكل اكبر خطر على مجتمعنا .
هذا التحول ليس مجرد مشكلة أمنية، بل أزمة قيم وتربية وثقافة مجتمعية. عندما يرى الطفل أن الخلاف يُحل بالقوة، سيكبر وهو يؤمن أن السلاح هو الطريق الأسرع لفرض الرأي والحل .
أين مسؤولية الحكومة وأجهزتها الامنية التي تعلن أن “أمن الدولة في أعلى سلم أولوياتها” مطالبة بمنع انتشار السلاح غير القانوني دون تمييز. وجود مئات آلاف قطع السلاح المهرب في أيدي مدنيين هو فشل خطير في منظومة الامن والرقابة والردع.
السؤال المشروع: كيف يُسمح ببقاء هذا الكم من السلاح بين أيدي مواطنين تعتبرهم الحكومة طابور خامس ؟ وأين إجراءات علاج العنف والجريمة والملاحقة الجدية لشبكات التهريب وعصابات الإجرام ؟
إذا كان هناك تقصير في منع تهريب السلاح أو في محاسبة المتاجرين به، فإن هذا التقصير يجب أن يُعالج وفق القانون، لأن حماية أرواح المواطنين ليست ترفا بل واجبا قانونيا وأخلاقيا من واجبات الحكومة ,ولكن الحكمة للأسف معنية بنشر الجريمة في المجتمع العربي لانشغاله بنفسه ومن اجل دب الفوضى والخراب .
وبالرغم من تقصير الحكومة , فإن مسؤولية المجتمع العربي لا تقل أهمية عن ذلك , مع كل ما سبق، لا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته. لا يجوز أن نلقي العبء كاملا على الحكومة بينما يحتفظ بعض الآباء والعائلات بسلاح في بيوتهم، أو يتغاضون عن حمل أبنائهم له.
لو تكاتف المواطنون بصدق، وقرروا رفض هذه الثقافة، لأماكنهم الضغط الاجتماعي على من يحمل السلاح.مقاطعة الأعراس والمناسبات التي يُستخدم فيها إطلاق النار.
واذا الحكومة لا تريد جمع السلاح من اجل انتشار الجرائم في المجتمع العربي . على الاهل والمجتمع إجبار الأبناء على تسليم السلاح وتكسيره وحرقه . وأخيرا وليس آخرا , الإصلاح يبدأ من البيت، من التربية، من كلمة “لا” حازمة يوجهها الأب لابنه. انتشار السلاح في مجتمعنا ليس قدرا محتوما، بل نتيجة خلل يمكن إصلاحه.
استمرار وجود السلاح في مجتمعنا يعني استمرار القتل وسفك الدماء , السلاح لا يصنع كرامة، ولا يحفظ شرفا، ولا يحل خلافا. بل يزرع الحقد، ويضاعف الثأر، ويهدد مستقبل مجتمعنا وأبنائنا. إذا أردنا أن نحمي مجتمعنا من العنف والجرائم ، فعلينا أن نعيد الاعتبار للعقل، للحوار، والقانون. وأن نقرر جميعا جمع السلاح من ايدي ابنائنا وتكسيره ونعلن أن زمن حكم السلاح قد انتهى وولى.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب