بعد خمسة عشر شهراً من عودته إلى البيت الأبيض، يقف دونالد ترامب أمام مشهد دولي أكثر تعقيداً مما وعد به ناخبيه. فالرجل الذي قدّم نفسه بوصفه صانع صفقات استثنائياً وقادراً على إنهاء الحروب خلال أيام، يجد اليوم أن الملفات الكبرى التي تواجه ادارته لا تُدار بالشعارات، بل بتوازنات دقيقة وحدود قوة لا يمكن تجاوزها دون أثمان باهظة.
اما على الصعيد الخارجي ففي الملف الأوكراني، لم ينجح ترامب في فرض تسوية سريعة للحرب بين روسيا واوكرانيا بل إن التوتر مع الحلفاء الأوروبيين ازداد، خاصة داخل ناتو، حيث طالب ترامب الدول الأعضاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم العسكري لمواجهة روسيا، ملوّحاً بتقليص الالتزام الأمريكي.
ان هذا الضغط دفع دولاً مثل المانيا فرنسا بريطانيا فنلندا والنرويج إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، ليس فقط استجابة لواشنطن، بل خشية تراجع المظلة الأمريكية الدفاعية عن هذه الدول نفسها ولم يجد على الرغم من وعوده أي طريقة لحل المسألة الأوكرانية وإقناع روسيا بالانسحاب من المناطق المحتلة، الامر الذي يهدد على المدى العيد انهيار الناتو والاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية فاعلة.
وعل صعيد التصعيد مع إيران فان هذا الملف يمثل بدوره اختباراً حقيقياً لحدود القوة الأمريكية. فبين خطاب متشدد يدعو لتفكيك النظام، وحديث لاحق عن “ضربة محدودة”، يظهر التردد بوضوح. فالضربة المحدودة إن حدثت تعكس إدراكاً عميقاً بأن حرباً شاملة قد تتحول إلى استنزاف طويل يهدد القواعد الأمريكية في الخليج ويضع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة كالسعودية والامارات قطر البحرين والاردن أمام مخاطر مباشرة. وهنا تتجلى حدود الردع فالقدرة على الضربة موجودة، لكن القدرة على تحمل النتائج ليست مضمونة.
السؤال المركزي اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال قوة عظمى، بل كيف تستخدم هذه القوة. فالقوة غير المنضبطة تتحول إلى عبء، والتهديد المستمر يفقد تأثيره عندما لا يتبعه إنجاز ملموس. فتجربة الأشهر الخمسة عشر الماضية تُظهر أن تعدد الجبهات لا يعني بالضرورة تعدد النجاحات، وأن إدارة ملفات متشابكة من أوكرانيا إلى غزة، ومن إيران إلى أوروبا، تتطلب أكثر من خطاب حاد أو قرارات مفاجئة.
حدود القوة ليست اعترافاً بالضعف، بل فهماً لميزان الواقع. وإذا لم تُترجم السياسة الأمريكية إلى استراتيجيات قابلة للتحقيق، فإن ما يبدو استعراضاً للقوة قد يتحول إلى كشفٍ لهشاشتها. في عالم متعدد الأقطاب، لم تعد الإرادة وحدها تكفي فالحسابات الدقيقة هي الفيصل، وإلا فإن كل “ضربة محدودة” قد تفتح باباً لصراع مفتوح لا يمكن إغلاقه بسهول
المصدر:
كل العرب