آخر الأخبار

جنيف بين فوهة النار وطاولة التفاوض

شارك

لقد جاء لقاء جنيف بين الطرفين بين الولايات المتحدة وإيران في 17/2/2026 كلحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تختلط لغة الدبلوماسية بتهديدات القوة، وتتصاعد رهانات الحرب والسلام في آن واحد. فالحديث عن احتمال نشوب مواجهة عسكرية لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل أصبح جزءاً من الخطاب السياسي المتبادل، خاصة مع التحركات العسكرية الأميركية البحرية الواسعة النطاق في الخليج والتشدد الإيراني في الدفاع عن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. وكما قالها المرشد الروحي الإيراني خامنئي بان دونالد ترامب يلعب بالنار من حيث تهديداته
فالولايات المتحدة، سواء في عهد إدارة برئاسة شخصية مثل دونالد ترامب أو غيره، تنظر إلى الملف الإيراني من زاويتين أساسيتين وعلينا النظر بان الولايات المتحدة وعلى الرغم من تغير الادارات المختلفة فأنها تنظر الى الشرق الأوسط بنظرتين مختلفتين فالأولى تتعلق بمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، والثانية بكبح نفوذها الإقليمي الممتد من العراق إلى لبنان واليمن. فواشنطن تطالب بتقييد كامل للبرنامج النووي الإيراني، وبضبط برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم طهران لحلفائها في المنطقة. ومن منظورها، فان أي اتفاق لا يحقق هذه الشروط يُعد اتفاقاً ناقصاً.
أما إسرائيل، بقيادة شخصيات مثل بنيامين نتانياهو، فترى في إيران التهديد الاستراتيجي الأول. الهدف الإسرائيلي يتجاوز الجانب النووي ليصل إلى إضعاف بنية “محور المقاومة” ككل، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة. إسرائيل تعتقد أن ضربة عسكرية واسعة قد تفتح الباب لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يضمن لها تفوقاً طويل الأمد، وربما تمهد لتغيير داخلي في إيران نفسها، ويمكن إضافة منظور أخر وهو الصراع بين الحضارات الذي تطور في الولايات المتحدة في مطلع التسعينات وهو منظور انجيلي يهودي ابيض معادي للإسلام والقوة الشيعية الصاعدة في هذا المضمار
اما إيران فترفض منطق الاستسلام الشامل، فطهران تؤكد أن برنامجها النووي سلمي، وأن قدراتها الصاروخية جزء من منظومة ردعها الدفاعي، خاصة بعد تجارب سابقة في المنطقة عندما هوجمت في يونيو حزيران الماضي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
وتبدو المقارنة مع غزو العراق في عام 2003 حاضرة بقوة في الذاكرة الإيرانية. اذ قادت الولايات المتحدة آنذاك، حرباً لإسقاط نظام صدام حسين تحت شعار أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن متواجدة أصلا في العراق. وانتهت هذه الحرب ضد العراق بإسقاط النظام البعث ونظام الرئيس صدام، ولكن الاحتلال الامريكي الطويل كلّف واشنطن تريليونات الدولارات وخسائر بشرية قدرت ب 35 ألف جندي امريكي، وفتح الباب نتيجة لذلك لفوضى إقليمية واسعة ولم تنتهي حتى يومنا هذا.
اما الفارق الجوهري فإيران اليوم ليست كعراق 2003, فهي دولة أكبر مساحة وسكانا، وأكثر تماسكاً مؤسساتياً، وتمتلك شبكة حلفاء إقليميين وقدرات صاروخية متطورة. فأي ضربة عسكرية محدودة قد تتحول إلى مواجهة ممتدة تشمل القواعد الأميركية في الخليج، والممرات البحرية الحيوية، وربما جبهات متعددة عبر حلفاء إيران. فبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على حرب خاطفة تستمر أسابيع معدودة لإجبار طهران على التراجع والاستسلام، فإن الحسابات الإيرانية قد تقوم على استنزاف طويل الأمد يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية على خصومها.
وهنالك أيضاً البعد الدولي. فحرب واسعة قد تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، وتدفع قوى كبرى إلى التدخل سياسياً وربما عسكرياً. كما أن دول الخليج، التي تستضيف قواعد أميركية، ستجد نفسها في موقف بالغ التعقيد بين التزاماتها الأمنية ومخاوفها من أن تصبح ساحة رد إيراني.
وسؤال هل الهدف الحقيقي هو تغيير سلوك إيران أم تغيير نظامها؟ فتجربة العراق أظهرت أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار. وأي حرب جديدة في الخليج قد تعيد رسم خريطة المنطقة، ولكن ليس بالضرورة وفق ما تخطط له واشنطن أو إسرائيل. فالخيار العسكري قد يبدو حاسماً على المدى القصير وتغيير في الأنظمة العربية الحليفة لأمريكا وهذا ما يغشاه البنتغون وبعض حلفائه العرب في الخليج، لذلك، رغم التصعيد، تبقى الدبلوماسية أقل كلفة وأكثر واقعية من مغامرة حرب لا يمكن التنبؤ بما آل ايه هذا التصعيد.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا