لا يمكن لأيّ مقاربة لموضوعة المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، عضويةً وترشيحًا وتصويتًا، أو مقاطعتها، إلّا أن تحيد عن مسارها الصحيح وأن تخطئ أهدافها إنْ هي ارتضت حصر نفسها، أو سمحت بحصرها، في المناكفات الانتخابية - الحزبية الموسمية التي تتكرّر مع كل انتخابات بمحاولة الأحزاب المشاركة فيها تحويل المقاطعة إلى شمّاعة تعلّق عليها ليس عجزها الجماهيري فحسب، وإنما قصورها النظريّ - الفكريّ البنيويّ بشأن طبيعة الدولة، من جهة، وانتهازيتها السياسية التي تردعها عن إخضاع هذه الطبيعة للمناقشة والمُساءلة، من جهة أخرى. لا يمكن لأيّ مقاربة كهذه أن تفرض مشروعها كبديل وطنيّ، فكريًّا وعمليًّا، إن هي لم تتصدّ للأسئلة الجوهرية الأساس التي يبذل دعاة الكنيست و«نضالها البرلماني» جهداً واضحاً لطمسها وتغييبها.
ذلك أنّ مسألة مشاركة فلسطينيّي الداخل في «اللعبة الديمقراطيّة» الإسرائيليّة، التي تشكّل عضويّةُ الكنيست وانتخاباتُها دُرّةَ تاجها، تَشغل حيّزًا حيويًّا يتّسع باستمرار، من انتخاباتٍ إلى أخرى، لكنّه يبقى محصورًا، غالباً، في فترة محدّدة لا تتجاوز «المعركةَ الانتخابيّةَ» ذاتَها. ولذلك يبقى النقاشُ حول هذه المسألة، إجمالًا، أسيرَ التجاذبات الحزبيّة والمصلحيّة الانتخابيّة المباشرة. أمّا المطلوب، من المقاطعين كأفراد ومن «حملة المقاطعة» وما يساندها من تنظيمات، فهو فرض واقع جديد يخترق فيه هذا النقاشُ تلك الحدود، ليغدو بندًا مُدرَجًا على جدول أعمال المجتمع الفلسطينيّ في الداخل بصورة ثابتة ومتصاعدة، لأنّ موضوعة الكنيست تلامس جوهر الأسس والركائز في أساليب النضال التي نعتمدها أمام المؤسسة وسياساتها وتستفز عقولنا لنعيد النظر في مواقفنا ومدى نجاعة أدائنا السياسي والاجتماعي في هذه الدولة.
هذا أولًا. وثانيًا، لأنّ «الشأن الكنيستي»، بانتخاباته ومعاركه واصطفافاته وتحالفاته ومعاركه ثم في «نضاله البرلماني»، يستنفد طاقات هائلة من الأحزاب وناشطيها ومن مجتمعنا بكل مكوّناته، بينما نحن نحتاج إلى توظيف هذه الطاقات فيما يقودنا نحو تضميد جراحنا والنهوض بمجتمعنا ورفع رؤوسنا والالتفاف حول مشروع وطني جامع.
الخاصُّ مدخلًا للعامّ؛ ذا دلالة!
مقاطعة الانتخابات، وكذلك المشاركة فيها، هما فعلٌ سياسيّ وهما تجسيدٌ لرؤية فكرية ولموقف سياسيّ. وبكونهما كذلك، تحتاج مهمة شرح أي منهما، تسويغها والإقناع بها، إلى حزمة من الحجج والبيّنات، العقلية والعقلانية، بعيدًا عن الغوغائية و/ أو العزف على المشاعر والغرائز البدائية. فالمقاطعة، وكذلك المشاركة، ينبغي أن تكونا فعلًا حرًّا ومستقلًّا يعبّر عن رأي وعن ضمير، نابعًا من قرار ذاتي مبنيٍّ على قناعات ومحتكمًا إلى حجج واعتبارات ليس من بينها «مجاملة» الغير أو محاولة إرضائه، شخصًا كان أم مجموعة، من ناحية، ولا «معاقبة» الغير أو «الانتقام» منه، شخصًا كان أم مجموعة، من ناحية ثانية.
أقول هذا وأنا مُدركٌ تماماً لحقيقة أن «المقاطعين»، في التعميم، لا يشكّلون وحدة واحدة متجانسة الرؤية والرأي والدوافع؛ قد تلتقي هذه وتتقاطع في بعض المحاور والنقاط وتفترق في أخرى، بينما تجمعهم النتيجة ذاتها - عدم المشاركة في الانتخابات. غير أنّ هذه النتيجة تبقى عُرضةً للتبدّل والتغيّر طالما بقيت المنطلقات، المرتكزات والاعتبارات، غير موحَّدةٍ في رؤية وطنية شاملة، تشكل ضمانة لعقلنة وترشيد وتجنيد ما يسمى «الامتناع العاطفي» النابع من إحباط ولامبالاة، وهو القابل للتحوّل والعودة إلى دائرة التصويت مجدّدًا بالانتباه إلى حقيقة أن قطاعًا واسعًا من المقاطعين اليوم يتشكّل، في أغلبيته الساحقة، من مصوّتين سابقين لـ«الأحزاب العربية» لاعتبارات ودوافع وطنية، أساسًا.
فأنا شخصياً، على سبيل المثالِ الدالّ، أقاطع انتخابات الكنيست منذ انتخابات عام 1992. كانت تلك الانتخابات الأخيرة التي شاركتُ فيها، بالتصويت، بعد سنوات طويلة جداً كنتُ خلالها وعلى امتدادها نشيطًا مركزيًّا في الانتخابات، من خلال عضويتي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، سواء بالنشاط الميداني وتجنيد الناس والعمل على صناديق الاقتراع، أو بالنشاط الإعلامي لاحقاً من خلال عملي محرّراً في صحيفة «الاتحاد»، حتى بداية عام 1992. لم تكن مقاطعتي تلك جزءاً مما يُعرف بـ«المقاطعة المبدئية» التي تقصد «رفض الكيان الصهيوني» ورفض المشاركة في سُلُطاته الرسمية. لستُ ممن يعتقدون بإمكانية إعادة دواليب التاريخ إلى الوراء، بل أؤمن بأنَّ للتاريخ حركته الدينامية التي يؤثّر عليها الناس/ الشعوب ويقرّرون وجهتها. وهذا هو دور الشعوب في حركية التاريخ.
بدأ ميلي إلى المقاطعة إبّان الفترة التي كنتُ لا أزال فيها عضوًا في الحزب الشيوعي ومحرّراً في صحيفته اليومية (الاتحاد). وكان هذا الميل موضع نقاش طويل مع عدد من الرفاق آنذاك. وحين كنتُ، لاحقًا، ضمن المجموعة المؤسِّسة لحركة «ميثاق المساواة»، التي شكّلت نواة «التجمع الوطني الديمقراطي» في ما بعد، كان موضوع الانتخابات البرلمانية والمشاركة فيها السبب الرئيسي لانسحابي منها. فقد أوضحتُ أن دافعي الأساسيّ للمشاركة في تأسيس «ميثاق المساواة» والإشراف على تحرير الأعداد التي صدرت من صحيفتها («البيان») كان: بناء حركة سياسية وطنية جماهيرية تسعى إلى طرح بديل لواقع التنظيمات والممارسات السياسية السائدة، وليس «قائمة انتخابية»! وحين تيقّنت، في فترة مبكرة من هذا المسعى، أن ثمة من يريد جعل الحركة الجديدة رافعةً للوصول إلى الكنيست (وهو ما حصل بالفعل، لاحقاً) قلت: ليس هذا هدفي! وانسحبتُ؛ معلناً: إنّ خوض الانتخابات البرلمانية يعني القضاء على هذه الفرصة وإغلاق هذا الأفق! وهو ما نراه اليوم، بكل وضوح.
نبعت مقاطعتي، إذاً، من قناعةٍ تبلورتْ ليس بعدم جدوى المشاركة في الكنيست فقط، بل بضررها الجسيم أيضًا وبالأساس، في ظروف هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي أصبح أقلية وطن أصلانية، كما في ظروف الأجزاء الأخرى من هذا الشعب، الرازح منه تحت الاحتلال والمعذّب منه في منافي التشرّد والشتات. هي موقفٌ عقلانيٌّ مبنيٌّ على تحليل ديناميّ دائم للواقع ومعطياته وعلى دراسةٍ معمّقةٍ لحصيلة تجربةٍ ممتدةٍ على عقود غير قليلة. هي قناعة قامت على محصّلات موازين الربح والخسارة، إذاً، لكنها تطورت واتسعت لتدرك حجم العبث فيما يسمى «النضال البرلماني» وفداحة ما فيه من ركض موضعيّ يغدو، مع حركة التاريخ والحياة، نكوصاً وتراجعاً وتقهقراً على جميع الصُّعُد - الاجتماعي، الاقتصادي، الأخلاقي، الثقافي، السياسي والوطني.
محصّلات الربح والخسارة
النقاش الجدّيّ حول المشاركة في انتخابات الكنيست أو مقاطعتها يتمحور في جوهره حول سؤالين مركزيين، تتفرع منهما أسئلة أخرى هامة، سعيًا إلى بلورة الرأي وصياغة الموقف. السؤال الأول هو: لماذا نذهب إلى الكنيست وماذا نريد منه؟ والسؤال الثاني: ما هو ميزان الربح والخسارة المتحصّل من المشاركة في الكنيست، من جهة، أو من المقاطعة، من جهة أخرى؟
في الإجابة على السؤال الأول، يضع المؤيّدون أهدافاً يمكن حصرها في التالية: لكي نؤثّر ونغيّر، لكي نخدم مجتمعنا، لكي ندافع عن أنفسنا، لكي نُسمِع صوتنا ولكي نحصِّل حقوقنا. في المقابل، يطرح مؤيدو المقاطعة أهدافاً مماثلة، لكن من موقع آخر وبوسيلة أخرى يقولون إنها لم توضع موضع التجربة حتى اليوم، هي التجنيد الجماعي لمقاطعة جماهيرية شاملة، كموقف إجماعيّ أو شبه إجماعيّ. ينبغي التنويه، هنا، بحقيقة أن مؤيّدي المقاطعة، كما مؤيّدي المشاركة أيضاً، يختلفون في مشاربهم الفكرية، في رؤاهم الوطنية وفي اعتباراتهم السياسية، التي قد تلتقي وتتقاطع في بعض المحاور والنقاط وتختلف في أخرى.
غير أنّ التحليل الموضوعيّ للإجابة على السؤال الأول، وما يُساق من أهداف يُرتجى تحقيقها من خلال الكنيست، لا بدّ أن يوصل إلى الاستنتاج الحتمي بأنّ تجربة ما يزيد عن ثلاثة وسبعين عاماً تثبت حقيقةً ساطعةً لا يمكن إنكارها أو تغييبها: من غير الممكن تحقيق المطالب والحقوق من خلال الكنيست، حتى لو أحرزت الأحزاب العربية أقصى استطاعتها من التمثيل البرلماني. من غير الممكن تحقيق تغيير جدّي وجوهري يُحدِث تحولًا، ولا أقول انقلابًا، في المكانة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل، ثم في واقعهم الحياتي المتأتّي عن هذه المكانة، طالما أن الدولة هي «دولة اليهود»/«دولة يهودية»، من حيث تعريفها القانوني في قوانين أساس وقوانين مركزية أخرى سبقت «قانون القومية» بكثير، ومن حيث مرجعياتها الإيديولوجية، العِرقية والدينية، بكل ما ينبني على هذا التعريف وهذه المرجعيات وما يشتقّ منها من سياسات وممارسات.
يعرف كل عضو كنيست عربي أنه حين يؤدّي اليمين الدستورية (بنصّها الحرفيّ: «أتعهد بأن أحفظ الولاء لدولة إسرائيل...»)، فإنما هو يقسم بحفظ الولاء للدولة اليهودية القومية، وفق تعريفها القانوني، وأنّ تغيير هذا التعريف غير ممكن من خلال الكنيست. وهو ما يعني، بالتأكيد، أن شعار «المساواة» الذي يطرحه هو شعارٌ خالٍ من أي مضمون، مجرد وَهْم وسراب غير قابل للتحقق. كما يعرف أيضاً أن مركّب «الديمقراطية» في تعريف الدولة (كدولة «يهودية ديمقراطية») هو بدعةٌ وخديعةٌ يستحيل تحقّقها للعرب طالما بقيت «دولة يهودية» تتبنى الصهيونية كفكرٍ استعماريّ عنصريّ (وهذا قبل الحديث عن الاحتلال وتناقضه التناحريّ مع الديمقراطية).
والحقيقة المؤلمة التي بات يعرفها كل طفل هي أن التمثيل العربي في الكنيست، والمتواصل منذ 73 عاماً، لم يمنع يوماً سَنّ قانون عنصري واحد، لم يمنع مصادرة دونم واحد من الأراضي العربية، لم يمنع هدم بيت عربيّ واحد، لم يمنع قتل شاب عربيّ واحد، بل لم يمنع تعرض أعضاء الكنيست أنفسهم للضرب والمحاكَمَات السياسية؛ ولم يغيّر شيئاً في المكانة السياسية للعرب في هذه الدولة سوى نحو الأسوأ جرّاء إحراق قوّتهم السياسية الحقيقية في أتون «النضال البرلمانيّ» العبثيّ.
في الإجابة على السؤال المركزي الثاني بشأن محصّلات الربح والخسارة، نجد في كفة الربح:
1. كونُ الكنيست منبراً لطرح القضايا ومعالجتها (دون نتائج تُذكَر، كما تثبت أوضاع بلداتنا، مناطق نفوذها، مسطحات البناء والأحوال التعليمية والمعيشية فيها)؛
2. فوائد مالية تجنيها الأحزاب من التمويل الرسمي تتيح لها تمويل أجهزتها ومرتبات محترفيها وعامليها، فيكون (التمويل) الضمانة الوحيدة لإبقاء بعضِها على قيد الحياة!؛
3. فوائد مالية مباشرة يجنيها أعضاء الكنيست ومساعدوهم، فضلًا عن الحصانة البرلمانية التي توفّر لهم مساحة من الحركة والنشاط (مساحة محدودة ومكبّلة بالقيود، كما أشرنا).
أما في كفة الخسارة، فنجد:
1. أنّ إسرائيل تستغلّ مشاركتَنا هذه للتغطية على عنصريّتها البنيويّة ولترويج نفسها في العالم «واحةً للديمقراطيّة» في صحراء الديكتاتوريّات الشرق أوسطيّة، ولتُحارب بنا وبمشاركتنا حملاتِ المقاطعة الدوليّة الفاعلة ضدّها على خلفية استمرار الاحتلال والتقدم نحو الأبارتهايد. ويَعرف كلُّ مَن اطّلع على نشاط «حركة مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها» (BDS) مدى استغلال مشاركتنا في الانتخابات وفي الكنيست ضدّ هذه الحركة؛
2. أنّ العضويّة في الكنيست و«النضال البرلمانيّ» عطّلا جميع آليّات ووسائل النضال الأخرى المتاحة للفلسطينيين في الداخل. أما وقد تحوّل «النضالُ البرلمانيّ» إلى المجال الحيويّ الوحيد و«مَنفس» الجماهير الأوحد، فقد أصبح عاملًا مُجهِضًا لأدوات النضال الأخرى وأدّى إلى «تصفية عامّة» وشبهِ تامّة لحضور الأحزاب والقيادات والنشطاء، اليوميّ النشط بين الناس والمتابعة اللصيقة لما يَشغل بالَهم من قضايا ومشاكل. وهكذا حصل الانقطاعُ بين الأحزاب وجماهيرها، حتى أصبحتْ أحزابًا بلا جماهير، سوى في المناسبات و«نشاطات الطوارئ». وحين انكمش هذا الحضورُ حدّ التلاشي، انفتحت الأبوابُ على مصاريعها أمام كلّ ما نكابده في مجتمعنا من ظواهر مرَضيّة، اجتماعيًّا وتربويًّا وأخلاقيًّا؛
3. المشاركة في الكنيست تفرض واقعًا من القبول والتسليم والشرعنة، بصورة فعلية رغم أن التصريح قد يكون مغايرًا، للنواتج السياسية والقانونية المتأتية من الفكر الصهيوني وأهداف مشروعه الاستعماري، بل حتى لخطابه ولغته ومفرداته؛
4. في واقع التحالفات الانتهازية التي فرضها الواقع الإسرائيلي وفي أتون الحروب الضارية التي تشتعل بين القوائم المتنافسة لضمان المقاعد في الكنيست، أصبح للكنيست وانتخاباته فعل التفتيت والتمزيق الكارثيين في مجتمعنا وفي هذا الجزء من شعبنا. وهذا ما نراه جليًّا، بكل خطورته، في هذه الانتخابات تحديدًا.
يبيّن هذا العرض السريع، بأقصى درجات الوضوح، أنّ كفّةَ الخسارة الفادحة والضرر الجسيم من المشاركة في الكنيست هي الراجحة.
اعترافات تأكيدية!
في الحديث عن مشاركتنا في الكنيست كورقة تستغلها إسرائيل في سياستها الدولية، ينبغي التنبيه إلى حقيقة أنّ إسرائيل لا تستطيع أن تتحمّل وضعاً يكون فيه الفلسطينيون هنا خارج برلمانها. هذا ما تؤكده تصريحات مسؤولين سياسيين رسميين كُثر ودراسات عديدة صدرت عن مراكز أبحاث إسرائيلية، لا متسع لعرضها كلها هنا، لكنني أكتفي بالإشارة إلى بعضها فقط:
1. تأكيد كارين تمار شيبرمان، ضمن بحثها في سؤال «لماذا لا يصوِّت العربُ مواطنو إسرائيل» على أنّ «المقاطعة الآخذة في الاتساع والتصاعد بين العرب في إسرائيل، تعبيرًا عن موقفٍ لا يرى فيه العربُ أنفسَهم جزءًا لا يتجزّأ من الدولة، هو ناقوسُ خطرٍ لا يمكن لدولةٍ ديمقراطيّةٍ أن تتجاهلَه» (مجلة «برلمان»، الصادرة عن «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، العدد 61، آذار 2009)؛
2. تحذير الوزير السابق أوفير بينيس (من حزب العمل، عقب انتخابات الكنيست في عام 2013) من أنّ «انخفاض نسبة التصويت في الوسط العربيّ هو أمرٌ خطيرٌ جدًّا بالنسبة إلى دولة إسرائيل وينبغي أن يُشعِل أمامنا جميعَ الأضواء الحمراء»! (موقع «واي نت»، 22/12/2013)؛
3. تأكيد الوزير السابق من حزب «الليكود»، موشي آرنس، على أنه «بعد أن يهدأ غضبنا (على تصريحات «مستفزة» صدرت عن حنين زعبي ـ س. س.)، ينبغي أن نفهم أن أعضاء الكنيست العرب هم ثروة بالنسبة إلى إسرائيل. فانفجاراتهم في الكنيست تشكّل دليلاً قاطعاً على أن إسرائيل هي دولة ديمقراطية حقيقية... اتهاماتهم بأن إسرائيل دولة أبارتهايد تنحدر نحو الفاشية تتهاوى على صخرة وجودهم في الكنيست، بما يثبت أن في إسرائيل حرية تعبير يمكن أن تكون قدوةً ومثالًا يحتذى لدى دول ديمقراطية أخرى عديدة، بل من المشكوك فيه إن كانت ثمة دولة ديمقراطية أخرى يمكن تخيّل مثل هذا الهجوم عليها، من داخل برلمانها. هذا ممكن في إسرائيل فقط... ثمة من يريد طرد النواب العرب من الكنيست وآخرون يقترحون الخروج الجماعي عندما يتحدثون وأنا أقول: إنهم يُسدون خدمة جليلة لدولة إسرائيل»! (صحيفة «هآرتس»، 12/7/2016).
هي الحقيقة التي تنبّه لها بروفيسور إيلان بابه، الجبهوي السابق، وصاغ خلاصتها في تساؤل «بسيط» طرحه، حين قال:
«لماذا ما زالت الأحزاب العربية تشارك في انتخابات الكنيست رغم انعدام قدرتها على التأثير الحقيقي عَبْرَ الكنيست، وعلى الرغم من الفائدة التي تجنيها إسرائيل من هذه المشاركة؟»! (في ندوة عُقدت في وادي النسناس في حيفا، يوم 3/1/2013، بمبادرة من «حيفا الغد»).
المقاطعة، الأحزاب، وبذرة التغيير
ليست المقاطعةُ، إذًا، فقاعةً أو خطوةً منزوعَة السياق والرؤية والأهداف، وإنما هي جزءٌ من كُلّ، خطوةٌ أولى في «مشروع وطني» لا يغفل «الجانب التمثيلي»، بل يؤكده ويؤسس عليه - التمثيل الأشمل والأعمّ، الأكثر تجسيداً للإرادة الجمعية والأوضح تعبيراً عنها، في إطار «لجنة متابعة» (أو تحت اسم آخر، أعمق دلالة) يُصار إلى انتخابها بآليات تضمن تجنّداً حزبياً حقيقياً، عكس ما هو قائم اليوم، ومشاركة جماهيرية أوسع وأكبر بكثير من تلك التي تُفرز «التمثيل الكنيستيّ» الذي أصبح من العته توقع وانتظار نتائج أخرى منه تختلف عن تلك التي حقّقها حتى الآن!
ينبغي توفير كل الطاقات والجهود، الموارد والإمكانات، التي تُحرَق في معارك «التمثيل البرلماني»، ثم توظيفها في ترميم وإعادة بناء بيتنا الداخلي، الوطني، من خلال إعادة صياغة روايتنا وإعادة بناء الذات الفلسطينية الأصلانية، بعيداً عن خطاب «الجماهير» وتسوّل حقوق «المواطَنة» والتمثيل المزيّف والمُخادع.
ولأنّ هذه المهمة، كجزء من العمل السياسي والجماهيري الوطني، تنظيمه، ترشيده وقيادته، تحتاج إلى أحزاب سياسية، أحزاب وطنية تضع قضايا الناس وهمومهم ومصالحهم في رأس سلم أولوياتها، قبل مصالحها هي ومصالح تنظيماتها وقياداتها، ولأنّ الأحزاب المأزومة، المترهّلة فكريًّا وسياسيًّا وتنظيميًّا وقياديًّا - كما هي أحزابنا اليوم - ليست قادرة على الاضطلاع بهذه المهمات الجسيمة وتأدية هذا الدور المصيري المنوط بها والمأمول منها، فثمّة حاجة ملحّة إلى إعادة ترميم الأحزاب وحضورها الجماهيريّ، اليوميِّ النابض، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بإعطائها «استراحةً» طويلة من «العمل البرلمانيّ» لكي تعود إلى مجالها الحيويّ الطبيعيّ والشرعيّ. وعندئذ، لن يبقى سوى الحزب ذي القاعدة الجماهيرية والمتواصل مع الجماهير، يوميّاً وفعليّاً.
وسيكون في الإمكان بناءُ قوّة سياسيّة، معبِّرة ومؤثِّرة، نتخلّص بواسطتها من الخلط المريب والمسيء بين «حزب» و«قائمة انتخابيّة»؛ وهو ما أضحى بمثابة جريمة خيانةٍ ارتكبتها الأحزابُ في حقّ مجتمعها، حين طمست التمايزاتِ الجوهرية والضرورية بين السياسة كمهنة والسياسة كرسالة، بتعبير ماكس فيبر، وتخلّت عن دورها كوكيلِ توعيةٍ وتثوير وتغيير. ورغم الاختلاف مع كثير من طروحاتها، إلا أنه من الضروري مساعدة الأحزاب السياسية (الأحزاب السياسية، أؤكد) على تقويم طريقها وترميم أوضاعها والخروج من أزمتها، لأن في أزمتها أزمةً لنا نحن أيضًا وفي تعميق أزماتها تعميقًا لأزماتنا.
لا تنبتُ بذرةُ أيّ فعلٍ سياسيّ إلّا من تغييرٍ في الوعي. لهذا، يجدر بفكرة المقاطعة وحاملي لوائها أن تكون معركتهم دائمة ومستمرة على تغيير الوعي بين أبناء شعبنا هنا، في كل أيام السنة وبمعزل عن الانتخابات التي تشكّل، حتى الآن، المناسبة الوحيدة التي تعيد وضعَنا أمام جملة التحدّيات التي طرحتْها علينا الدولةُ مرارًا وتكرارًا، لكنّنا تعاميْنا عنها وتصاغرْنا عن مواجهتها حتى أصبح الاستمرارُ في هذا النهج «النعاميّ» شبهَ مستحيل بكونه ضربًا من الاستسلام الجماعيّ النهائيّ، أو شكلًا من التسليم الجماعيّ بواقعٍ سيَفْتك بأجيالنا القادمة ومستقبلها في وطننا.
هي تحدّيات تُملي علينا استحقاقاتٍ لم يعد من الممكن التهرّبُ منها. وهي تقتضي حصولَ تطوّريْن متلازميْن ومتكامليْن:
- الأول: إحداثُ كسرٍ في علاقتنا التاريخيّة بالحركة الصهيونيّة (ممثّلةً في دولة إسرائيل) الممتدّة منذ أكثر من سبعين عامًا، على خيطٍ واحدٍ وإيقاعٍ واحدٍ ونسقٍ واحد؛
- الثاني: تحرّرنا من قفص «ديمقراطيّة» إسرائيل الذي نراوح فيه منذ سبعة عقود. والمقصود هو تخلّينا عما ترمي إلينا به إسرائيلُ من فتات «ديمقراطيّتها»، التي يشكّل الكنيستُ تجسيدَها الأبرزَ، مقابل أثمانٍ باهظةٍ نَدفع فاتورتَها بمكانتنا السياسية وبدم أبنائنا ومستوى معيشتنا ومستقبل أجيالنا.
سوف يستغرق هذا وقتًا، نعم. لكن، ها قد قضينا سبعين عامًا ونحن نتراجع إلى الوراء ونعمّق أزماتنا، بل ننتج منها كل ما هو جديد و«حداثيّ»، بدلًا من إحراز أيّ تقدّم جدّيّ وجوهريّ. لكنّ عقبَ أخيل في هذا التقدّم هي نحن، هنا! إذ لن يكون بالإمكان انطلاقُ التقدّم المنشود ما دمنا نكرِّس صورةَ إسرائيل «الديمقراطيّة» عبر «نضالاتٍ» تتكرر على المنوال ذاته دون أن تؤْتي ثمارَها المرجوّة، ثم نرصِّعُها بنوّابٍ نشارك في إيصالهم إلى الكنيست عبر «انتخابات ديمقراطيّة وحرّة ونزيهة»، كي يصرخوا ويشتموا أمام عدسات التلفزات المحلّيّة والعالميّة، وربّما يُخْرجونهم بالقوّة أحيانًا، مثلما يحدث في أيّ برلمانٍ ديمقراطيّ آخر في العالم!
المصدر:
كل العرب