في السنوات الأخيرة، تصاعد حضور خطاب يتسلل إلى المجتمع الفلسطيني في الداخل عبر عناوين اجتماعية وإنسانية تبدو في ظاهرها داعمة ومساندة، مستفيدًا من الظروف القاسية التي يعيشها المجتمع في ظل تصاعد العنف والجريمة المنظمة. هذا الخطاب ليس جديدًا في جوهره، لكنه وجد في المرحلة الأخيرة بيئة مواتية لارتفاع صوته وتأثيره، مستندًا إلى واقع اجتماعي وسياسي مأزوم يسمح بتمرير طروحات تبدو في ظاهرها حلولًا عملية، بينما تحمل في جوهرها إعادة تعريف لطبيعة العمل السياسي وحدوده. وفي هذا السياق تنشط حركات يهودية–عربية منظمة، من بينها حركة "نقف معًا" (عومديم بياحد)، التي تعمل بميزانيات كبيرة وبدعم مؤسسات وصناديق إسرائيلية وأجنبية تُقدر ميزانيتها السنوية بنحو 20 مليون شيكل، وتطرح الشراكة المدنية بوصفها المدخل الأساسي لتحصيل الحقوق وتحقيق الأمان.
غير أن قراءة هذا الخطاب لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتصل بمحاولات إعادة توجيه الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الداخل، عبر نقل النقاش من مستواه السياسي والوطني إلى إطار مدني محدود يركز على إدارة الأزمات اليومية دون الاقتراب من جذورها البنيوية. وفي هذا التحول، يُعاد تعريف العمل العام بحيث يُحصر في مطالب مدنية جزئية، بينما تُدفع الأسئلة المرتبطة بالهوية والحقوق الجماعية والسياق السياسي الأشمل إلى الهامش. وبهذا المعنى، يصبح هذا المسار منسجمًا – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – مع بنية سياسية أوسع تحرص على إبقاء النقاش ضمن حدود لا تمس أسس المشروع الصهيوني أو أولوياته، حيث يشكل الحفاظ على استقراره نقطة التقاء بين أطراف مختلفة من الطيف السياسي الإسرائيلي، رغم اختلاف خطابها وتباين أدواتها.
فيما يتعلق بحركة "نقف معًا"، فإن نشأتها تعود إلى أواخر عام 2015 كحراك اجتماعي–شعبي في سياق الاحتجاج على سياسات الحكومة الإسرائيلية، قبل أن تُعلن رسميًا كحركة منظمة عام 2017. وتعرّف الحركة نفسها إطارًا يهوديًا–عربيًا يسعى إلى تعزيز الشراكة والمساواة، وتقديم بديل لما تعتبره تراجعًا في دور "اليسار الإسرائيلي" التقليدي في ظل صعود اليمين والصهيونية الدينية. وقد كان الحضور اليهودي طاغيًا في مراحلها الأولى، قبل أن يزداد انخراط شخصيات عربية في السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل الحرب على غزة، فيما يستند خطابها إلى العمل الميداني والمطالب الاجتماعية والمدنية، مع تبني قضايا حقوقية مختلفة، وتأكيدها أنها تسعى لملء فراغ سياسي خلفه تراجع قوى "اليسار الإسرائيلي".
في المحصلة، لا يمكن فصل صعود هذه الخطابات عن الفراغ السياسي الذي نشأ في الداخل خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل الحرب على غزة وما رافقها من تضييق وتراجع في الفعل السياسي المنظم. فالفراغ لا يبقى فارغًا، بل تملؤه مشاريع تعيد تعريف العمل العام ضمن إطار مدني ضيق منفصل عن سياقه الوطني الأوسع. وهنا تبرز مسؤولية لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بوصفها الإطار الوطني الجامع، ليس فقط في إدارة الأزمات أو إصدار المواقف، بل في استعادة دورها السياسي والتنظيمي في تحصين المجتمع من أشكال الاختراق الناعم، وإعادة بناء خطاب وطني جامع يعيد ربط المطالب المدنية بسياقها السياسي والحقوقي الأوسع. فالمعركة اليوم لم تعد على الحقوق اليومية فحسب، بل على الوعي نفسه، وعلى القدرة على الحفاظ على البوصلة الوطنية في مرحلة تتكاثر فيها المشاريع التي تسعى، بوسائل ناعمة، إلى إعادة تعريف حدود الممكن السياسي للفلسطينيين في الداخل.
المصدر:
كل العرب