يؤكد د. غزال أبو ريا أن البُنى الاجتماعية التقليدية في المجتمع العربي شهدت تراجعًا واضحًا في وظائفها التاريخية، وعلى رأسها الحمولة، التي أدّت عبر العقود أدوارًا اقتصادية واجتماعية وسياسية محورية.
فعلى الصعيد الاقتصادي، كانت الحمولة تشكّل شبكة أمان حقيقية. في الزراعة مثلًا، كان الأقارب يتكاتفون في مواسم الحراثة والحصاد، وفي أعمال البناء اليدوية، حيث كان صبّ الباطون (ما يُعرف بـ“الجَمَل”) يتم بالاعتماد على مساعدة الأقارب لغياب الآليات الحديثة. كذلك كان دكان الحي يعتمد على أبناء الحمولة في الشراء والدعم، لكن مع تغيّر أنماط الاستهلاك واتساع الأسواق التجارية، أصبح هذا الدكان يعاني صعوبة في الاستمرار.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد لعبت الحمولة دورًا مركزيًا في الفرح والحزن؛ “الفرح بده أهله”، وفي الزواج التقليدي بين الأقارب، مثل زواج ابن العم من بنت عمه، بما يحمله من رمزية اجتماعية وتكافل عائلي. إلا أن هذه الوظائف تراجعت بفعل التحولات الاجتماعية، والتعليم، والتحديث، وتغيّر منظومة القيم.
وفي البعد السياسي، ما زالت وظيفة الحمولة حاضرة نسبيًا، إذ تقوى أو تضعف تبعًا للانتخابات المحلية، وتختلف من مكان إلى آخر، لكنها لم تعد الإطار الحاسم كما في السابق.
ويشير د. أبو ريا إلى أن المجتمع العربي، ولأسباب تاريخية وبنيوية، لم ينجح في بناء بدائل مهنية ومدنية كافية تحل محل هذه الأطر التقليدية، مثل لجان أحياء فاعلة، مؤسسات مجتمع مدني ذات سقوف مهنية واضحة، لجان تخطيط، لجان صحة، وأطر تنظيم مجتمعي حديثة—مع التأكيد على أن ذلك لا ينطبق بالتعميم على جميع البلدات.
واليوم، في ظل أزمة العنف المستشرية وتحديات مواجهته، نشهد عودة متزايدة للحمولة لتأخذ دورًا في الضبط الاجتماعي ومحاولة الحد من العنف، نتيجة غياب الأطر المؤسسية الفاعلة. وهنا يطرح د. غزال أبو ريا سؤالًا مركزيًا ومقلقًا:
هل نحن أمام عودة للحمولة كإطار ناظم للمجتمع؟ أم أن هذه العودة هي تعبير عن أزمة عميقة، سببها غياب الدولة، وتراجع البُنى المدنية، وفشلنا في بناء بدائل حديثة ومستدامة؟
المصدر:
كل العرب