أكد الخبير اللبناني في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية د. خالد العزي لموقع بكرا أن الدعوات التي وجهتها الولايات المتحدة لعقد جلسة في إسطنبول او سلطنة عمان تشير إلى وجود حراك دبلوماسي يُفضل خيار الحوار، لا سيما من قبل الدول العربية وتركيا ومصر ودول الخليج العربي.
وقال ان هذا الحوار يأتي لتفادي التوجه نحو صدام عسكري، إذ إن الولايات المتحدة لا ترغب في المواجهة المباشرة، بل تسعى إلى الحوار ضمن سياسة الضغط على إيران لانتزاع تنازلات.
وأوضح العزي أن الإيرانيين اليوم يشعرون بخطر حقيقي، لأن الحضور الأمريكي في المنطقة وحصار إيران لا يقتصران على دعم المحتجين، كما وعد الرئيس ترامب سابقا، بل يرتبطان بمسألة أساسية مفادها أن الولايات المتحدة باتت أمام خيار واحد، وهو الضغط على إيران لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أي مفاوضات تُدار بالقوة والتهديد.
وأشار الخبير اللبناني إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة خوض الولايات المتحدة حربا مباشرة، رغم وجود أساطيلها وطائراتها وتأمين دفاعاتها الجوية وقواعدها العسكرية، إلا أن إيران تدرك في نهاية المطاف أنه لا مفر من تقديم تنازلات من أجل بقاء النظام.
ولفت الخبير اللبناني إلى أن واشنطن معنية بالإبقاء على النظام الإيراني مسيطرا عليه لسببين: الأول حاجتها إلى وجود هذا النظام، ولكن بعد تعديل سلوكه، والثاني خشيتها من أن تؤدي المواجهة العسكرية وضربة قاسية لإيران إلى انهيارات كبيرة في بنيتها الفسيفسائية، وحدوث انقسامات وحروب أهلية داخلية، تنعكس تداعياتها على المنطقة بأسرها.
وأوضح العزي أن قبول ترامب بعقد جلسة إسطنبول يعكس رغبة الولايات المتحدة في الظهور أمام العالم بمظهر الساعي إلى الحوار، لكن بشروطها الخاصة لا بالشروط الإيرانية. لافتا إلى أن إيران، وفق تصريحاتها، أبدت استعدادًا لتقديم تنازلات، من بينها خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، مقابل رفع الحصار الاقتصادي والعقوبات المفروضة عليها.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الملف النووي فقط، إذ تؤكد أنه في حال وجود برنامج نووي إيراني، فيجب أن يكون سلميا، مع استعدادها للمساعدة في ذلك.
وأوضح العزي أن واشنطن تطرح ثلاثة شروط أساسية على إيران: أولًا، تفكيك برنامجها النووي العسكري وتحويله إلى برنامج سلمي؛ ثانيا، التخلي عن الصواريخ الباليستية التي تهدد دول المنطقة، وتحديدا دول الخليج العربي وإسرائيل وثالثًا، رفع يدها عن أذرعها ووكلائها في الدول العربية وشمال أفريقيا. مشددا على بند أساسي في صلب المفاوضات، وهو عدم تهديد إسرائيل، حتى على المستوى اللفظي أو النظري.
وأكد أن جلسة المفاوضات ستتمحور حول نقطتين: الأولى عرض الشروط الأمريكية على إيران والسير بها إذا كانت طهران تسعى لتفادي ضربة عسكرية، في ظل ضمانات تقدمها الدول التي حاولت إقناع ترامب بالعدول عن الخيار العسكري والتوجه نحو الحوار أما الثانية، فإما أن تسعى إيران إلى كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها والالتفاف على الشروط الأمريكية، أو محاولة إظهار أن الولايات المتحدة غير جادة في توجيه ضربة عسكرية.
وأشار الخبير العزي إلى أن ما يصدر عن القيادات العسكرية الإيرانية حول الجاهزية والقدرة على الرد، ووصول صواريخ جديدة من روسيا والصين، لا يستند بالضرورة إلى منطق واقعي، إذ إن الولايات المتحدة تمتلك سيناريوهات متعددة لتنفيذ ضربات عسكرية.
لكن العزي لفت إلى أن المعضلة الأساسية لدى واشنطن تتمثل في غياب معارضة إيرانية فاعلة وقادرة على السيطرة على البلاد في حال انهيار النظام.
وأوضح أن توجيه ضربة موجعة قد يؤدي إلى زوال النظام الحالي، إلا أن البديل قد يكون نظاما عسكريا تقوده قوى أكثر تشددا، مثل الحرس الثوري، ما قد يدفع الشارع الإيراني إلى الالتفاف حوله بعد أي هجوم خارجي. لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها أمام عدة سيناريوهات، لكنها تفضل خيار الحوار بالتوازي مع السعي لتمرير سيناريو توافقي داخل إيران، بالتعاون مع الطبقة الحاكمة والجيش والحرس الثوري.
واكد العزي أن هذا السيناريو يشبه إلى حد كبير ما جرى في فنزويلا، ويقوم على الإبقاء على بنية النظام مع إبعاد المرشد الأعلى. واعتبر أن المرشد لا يستطيع تقديم تنازلات تمس موقعه ودوره، وهو ما أشار إليه تصريح القاضية الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي، التي قالت إن حل الأزمة في إيران لن يتحقق إلا بتنحي علي خامنئي أو إبعاده أو إقصائه، الأمر الذي من شأنه فتح باب الانفراج والحوار والمشاركة السياسية. وبذلك، تكون الولايات المتحدة قد حققت شروطها الأساسية، مع الحفاظ على تماسك إيران ومنع تفككها.
المصدر:
بكرا