في أعقاب المظاهرة الكبيرة التي شهدتها تل أبيب، والتي شارك فيها عشرات الآلاف وربما ما يقارب مئة ألف، قال الخبير في شؤون المجتمع العربي محمد دراوشة إن ما جرى يتجاوز كونه حدثًا احتجاجيًا عابرًا، ويشكّل لحظة فارقة أعادت ترتيب صورة المجتمع العربي في الفضاء العام.
وفي مقابلة خاصة مع موقع “بكرا”، رأى دراوشة أن الحشد في قلب تل أبيب حمل رسالة مباشرة بأن المجتمع العربي حاضر ويقظ وقادر على وضع قضاياه في مركز النقاش العام. وأشار إلى أن هذه المظاهرة جاءت بعد أسبوعين فقط من مظاهرة سخنين، التي شارك فيها نحو 100,000 شخص، معتبرًا أن هذا التتابع السريع يعكس يقظة داخلية وعودة روح جماعية إلى مجتمع أنهكته الجريمة المنظمة والإهمال السياسي.
الفعل الجماعي
وقال دراوشة إن التظاهرات الأخيرة أعادت للناس شعورًا افتقدوه لسنوات، يتمثل بالثقة بالنفس وبالقدرة على الفعل الجماعي. واعتبر أن الوقوف في الشارع بأعداد كبيرة، كتفًا إلى كتف، لا يعبّر فقط عن احتجاج، بل عن استعادة كرامة جماعية بعد فترة طويلة من الخوف والعزلة والشعور بأن كل فرد يواجه مصيره وحده.
وتوقف دراوشة عند الاتهامات المتكررة التي تُوجَّه للمجتمع العربي بأنه غير مبالٍ أو غير مكترث، وقال إن هذا الخطاب بات فاقدًا للمصداقية أمام مشاهد الحشود في سخنين وتل أبيب. وأكد أن المجتمع العربي أثبت حضوره واستعداده للتحرك حين يشعر بأن الخطر يهدد وجوده ومستقبله، مشددًا على أن الاستمرار في تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له هو ظلم سياسي وأخلاقي.
الحضور اليهودي
وعن الحضور اليهودي في مظاهرة تل أبيب، قال دراوشة إن هذه المشاركة تحمل دلالة خاصة، خصوصًا في ظل التوتر غير المسبوق الذي طبع العلاقات العربية اليهودية منذ 7 أكتوبر 2023. واعتبر أن الحضور اليهودي الواسع يشكل إشارة إلى بداية مسار إصلاح وترميم، وخطوة أولى نحو إعادة بناء الثقة، لأنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن العنف والجريمة المنظمة ليست “قضية عربية” فقط، بل أزمة مجتمعية تهدد الجميع.
وأكد دراوشة أن هذه التظاهرات يمكن أن تتحول إلى نقطة تحوّل إذا استمر الزخم ولم يُترك كحدث عاطفي مؤقت. وقال إن ما جرى هو بداية لمسار طويل يحتاج إلى تحويل الطاقة الشعبية إلى عمل سياسي اجتماعي منظم، مشيرًا إلى أن قوة ما قيل في تل أبيب لم تكن فقط في المضمون، بل في اتساع المشاركة ووضوح الرسالة والثقة التي قُدمت بها.
وختم دراوشة بالتأكيد أن هذا الحراك ليس ملكًا لجهة بعينها، بل للناس الذين قرروا رفع صوتهم، معتبرًا أن ما حدث في تل أبيب وسخنين دليل على عودة الإيمان بالقدرة على التغيير.
المصدر:
بكرا