آخر الأخبار

إسرائيل على مفترق التاريخ من عقيدة القوة إلى شبح الابارتهايد 

شارك

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، قامت سياستها على مبدأ مركزي يتمثل في القوة العسكرية والتوسع الجغرافي ومنع تشكّل كيان فلسطيني مستقل على الرغم من قرار التقسيم. ان هذه العقيدة لم تكن مجرد رد فعل على ظروف إقليمية، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا صاغه دافيد بن غوريون وكرّسه قادة الدولة الأوائل، باعتبار أن التفوق العسكري هو الضامن الوحيد لبقاء الدولة العبرية في بيئة معادية.

اما حرب عام 1967 شكّلت التحول الأخطر في هذا المسار، إذ منحت إسرائيل سيطرة مباشرة على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الاحتلال إلى ركيزة أساسية في السياسة الإسرائيلية، لا كإجراء مؤقت، بل كنظام حكم فعلي لشعب آخر. وعلى الرغم من محطات سياسية بدت وكأنها تحمل وعودًا بالتسوية، وعلى رأسها اتفاقيات أوسلو عام 1993، الا ان تلك المرحلة لم تمسّ جوهر السيطرة، بل أدارتها بصورة وشكل مختلف.

ومع اغتيال إسحاق رابين وصعود اليمين، دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التشدد الأيديولوجي، وجاء بنيامين نتنياهو ليجسّد هذا التحول بأوضح صوره. فمنذ عام 1996، وعلى مدى 30 عام وبشكل متقطع نجح نتنياهو في ترسيخ مشروع سياسي يقوم على رفض قاطع لإقامة دولة فلسطينية، وتعميق الاستيطان، وفرض سيطرة أمنية وعسكرية مطلقة على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ولم يكن نجاحه نابعًا فقط من قدرته على المناورة السياسية، بل من قدرته على إقناع الشارع الإسرائيلي بأن الاحتلال ضرورة وجودية، وأن أي انسحاب هو تهديد مباشر لأمن الدولة.

اما في قطاع غزة، فقد اعتمدت إسرائيل سياسة إدارة الصراع وليس حله، من خلال الحصار والحروب المتكررة، ثم محاولة فرض ترتيبات دولية تفصل غزة عن الضفة الغربية، بما يمنع أي إمكانية لوحدة سياسية فلسطينية. ان هذه السياسة عززت واقع التجزئة، ورسّخت السيطرة الإسرائيلية بأدوات غير مباشرة، لكنها لم تُنهِ الصراع، بل جعلته أكثر تعقيدًا.

وكان العامل الحاسم في استمرار هذه السياسات هو الدعم الأميركي غير المشروط. ففي العامين الأخيرين مثلا وخلال الحرب على قطاع غزة، تجاوز الدعم الأميركي لإسرائيل 50 مليار دولار، الامر الذي وفر لها غطاءً عسكريًا وسياسيًا مكّنها من الاستمرار في الاحتلال، بل والتفكير في توسيع طموحاتها نحو الهيمنة الإقليمية. ان هذا الدعم منح إسرائيل شعورًا بالحصانة، وأضعف أي حافز داخلي لمراجعة السياسات القائمة.

غير أن هذه الاستراتيجية، ورغم ما تبدو عليه من قوة، تحمل في داخلها بذور أزمة عميقة. فإذا استمرت اسرائيل في حكم ملايين الفلسطينيين دون حقوق سياسية، تقترب تدريجيًا من نموذج الدولة الواحدة غير الديمقراطية، وهو ما يفتح الباب أمام مقارنات متزايدة مع تجربة جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري ما بين عام 1948 و1989. فصحيح أن إسرائيل تختلف عن جنوب إفريقيا من حيث السياق التاريخي والدعم الدولي، إلا أن جوهر المشكلة واحد: حكم دائم على شعب محروم من الحقوق.

والفرق الجوهري هو أن البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط أكثر خطورة وتعقيدًا من البيئة التي واجهتها جنوب إفريقيا آنذاك. فإسرائيل محاطة بصراعات مفتوحة، وتهديدات عابرة للحدود، وتغيرات إقليمية ودولية متسارعة. وهذا الامر يجعل كلفة استمرار الاحتلال أعلى بكثير، وامكانية انفجار إقليمي محتمل في أي لحظة.

فإذا أرادت إسرائيل الاستمرار في السنوات العشر المقبلة على نفس النهج، فإنها ستواجه أحد خيارين ولا ثالث لهما. الأول هو الاستمرار في نهج بنيامين نتنياهو القائم على القوة والحروب وإدارة الصراع، وهو نهج قد يضمن استقرارًا مؤقتًا لخمس سنوات تقريبًا، لكنه سيقود حتمًا إلى تعميق العزلة الدولية، وتصاعد الصدام الداخلي، وتحويل إسرائيل فعليًا إلى دولة فصل عنصري بحكم الواقع.

أما الخيار الثاني، والأقل كلفة على المدى البعيد، فهو الاعتراف بحقائق الجغرافيا والديموغرافيا، والتخلي عن وهم السيطرة الدائمة، والتوجه الجاد نحو حل الدولتين. ان هذا الخيار يتطلب شجاعة سياسية غير متوفرة حاليًا، لكنه الخيار الوحيد القادر على تجنيب إسرائيل مصير أنظمة سقطت رغم قوتها، عندما تجاهلت العدالة والحقوق.

إن الاستمرار في سياسة نتنياهو لا تعني فقط إستدامة معاناة الفلسطينيين، بل تهدد مستقبل إسرائيل نفسها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تضمن الاستقرار الدائم في منطقة متفجرة كالشرق الأوسط. والتاريخ يعلّمنا أن الأنظمة التي ترفض التغيير الطوعي، غالبًا ما تُجبر عليه في ظروف أكثر قسوة.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا