يعيش المجتمع العربي في الداخل واقعًا خانقًا يتقاطع فيه العنف المتصاعد مع سياسات حكومية تُعمّق الفقر وتُهمل احتياجات الناس الأساسية، بينما تتغلغل عصابات الجريمة في الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة. وفي ظل هذا المشهد المزدوج، يجد أبناؤنا أنفسهم محاصرين بين بيئة اجتماعية مضطربة من جهة، وغياب منظومات حماية فعّالة من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، يقف الأهل والمعلمون في مواجهة يومية مع تحدٍّ تربوي معقد: كيف نربي جيلًا يختار الوعي بدل العنف، رغم أن العنف يحيط به من كل اتجاه.
إن البداية الحقيقية تكمن في بناء وعي عميق لدى الجيل الصاعد. لا يمكن أن نطلب من أبنائنا رفض العنف دون أن نمنحهم فهمًا واضحًا لجذوره. عليهم أن يدركوا كيف تُنتج السياسات الرسمية التهميش، وكيف تستغل عصابات الجريمة هذا التهميش لتوسيع نفوذها، وما معنى العدالة والمواطنة والحقوق. الوعي هنا ليس مجرد معرفة، بل حصانة فكرية تحميهم من الانجرار وراء العنف أو تقبّله كأمر طبيعي.
وفي ظل غياب الأمن في الشارع، تصبح المدرسة المساحة الأكثر قدرة على تقديم نموذج مختلف. مدرسة عادلة، ديمقراطية، تُشجع الحوار وتمنح الطالب دورًا في اتخاذ القرار، قادرة على أن تكون بيئة بديلة تُشعره بالانتماء والاحترام. عندما يختبر الطالب تجربة يومية تقوم على العدالة، يصبح العنف خيارًا أقل جاذبية.
أما التربية اليومية، فلا يمكن أن تعتمد على الوعظ وحده. الشباب يتغيرون بالمهارات، لا بالخطب. تعليمهم كيفية إدارة الغضب، وحل النزاعات، والتعبير عن مشاعرهم، والتفكير النقدي، هو الطريق الحقيقي لبناء شخصية قادرة على مواجهة الضغوط دون اللجوء إلى العنف. هذه المهارات ليست إضافات تربوية، بل أدوات حياة أساسية.
ولا يمكن تجاهل أهمية الهوية والانتماء في حماية الشباب من الانزلاق نحو العنف. الشاب الذي يشعر بأنه جزء من مجتمع له قيمة، وبأنه يحمل إرثًا ثقافيًا وتاريخيًا، يصبح أكثر قدرة على مقاومة الفراغ الذي تملؤه العصابات. الانتماء ليس شعارًا، بل جدار حماية نفسي.
كما أن الشراكة بين البيت والمدرسة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لا تستطيع المدرسة أن تنجح وحدها، ولا يمكن للأهل أن يواجهوا هذا الواقع بمفردهم. عندما يسمع الطفل الرسالة نفسها في البيت والمدرسة، تصبح أكثر رسوخًا. وعندما يتفق الطرفان على حدود واضحة للسلوك، يصبح الانضباط قيمة مشتركة لا عقوبة.
وفي مواجهة الإغراءات التي تقدمها عصابات الجريمة، من مال سريع وشعور بالقوة والانتماء، علينا أن نقدم بدائل حقيقية وجذابة. الأطر الرياضية والثقافية، المشاريع التكنولوجية، المبادرات التطوعية، ودعم المواهب الشابة، كلها مسارات تمنح الشباب معنى لحياتهم وتبعدهم عن مسارات العنف.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء خطاب جماعي واضح يرفض العنف دون تردد. المجتمع بحاجة إلى صوت موحد، إلى قادة محليين وإعلام مسؤول ومبادرات شعبية تخلق بيئة تقول للشباب إن العنف ليس قدرًا محتومًا، بل خيارًا يمكن رفضه.
وأخيرًا، لا بد من الاعتراف بأن الصحة النفسية ليست رفاهية. الضغط النفسي يولّد العنف، وتوفير مستشارين تربويين ومساحات للتفريغ العاطفي يمكن أن يغيّر مسار حياة كاملة.
إن أبناءنا يقفون اليوم بين العنف والوعي، بين واقع يضغط عليهم ووعي يمكن أن ينقذهم. ورغم صعوبة الظروف، يبقى التغيير ممكنًا. المجتمعات التي واجهت العنف ونجحت لم تنتظر أن تتغير الظروف، بل بدأت بتغيير الإنسان. التغيير يبدأ من طفل واحد، من صف واحد، من مدرسة واحدة، ومن قرار جماعي بأننا نستحق مجتمعًا سلميًا مهما كانت التحديات.
المصدر:
كل العرب