آخر الأخبار

حين ينكشف فشل النظام السياسي العراقي/ بقلم: ادهم ابراهيم 

شارك

لم يكن العراقيون، في يوم من الأيام، متحمسين لتدخل الولايات المتحدة أو إيران في شؤونهم الداخلية. غير أنّ عجز الطبقة السياسية الفاسدة ، وفشلها في بناء دولة مؤسسات حقيقية، دفع شريحة واسعة من الشعب إلى الترحيب بالاعتراضات الداخلية والخارجية على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء ، أملاً في كبح طاعون الفساد السياسي والمالي الذي يهدد بقاء الدولة والمجتمع معًا.

ان الولايات المتحدة، بوصفها عرّاب النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، تتحمّل مسؤولية أخلاقية وسياسية عن الكارثة التي آل إليها هذا النظام، وعليها أن تراجع ما صنعت، لا أن تكتفي بالمشاهدة.

في هذا السياق جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال فيه عبر منصة “تروث سوشيال” إنه يسمع أن “العراق العظيم قد يتخذ قرارًا سيئًا جدًا بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء”، مذكّرًا بأن فترة حكم المالكي السابقة قادت البلاد إلى “الفقر والفوضى الشاملة”. ولم يكن هذا التصريح معزولًا عن موقف رسمي أوسع، عبّرت عنه وزارة الخارجية الأميركية حين أكدت أن الولايات المتحدة لا ترى مكانًا للميليشيات المدعومة من إيران داخل النظام السياسي العراقي.

من الواضح أن الاعتراض الأميركي لا يطال نوري المالكي بوصفه فردًا فحسب، بل يطال نظامًا سياسيًا كاملًا حكم العراق لعقدين، وحمل معه رموزًا وعناوين فاسدة أو فاشلة. فالعراق لا يحتاج إلى تصريح من ترامب كي يدرك حجم المأزق الذي وُضعت فيه الدولة التي يراد ان يُربط مصيرها السياسي والاقتصادي باسم شخص واحد ، وهنا تصبح المشكلة الحقيقية ليست في واشنطن، بل في بغداد.

عندما تصبح عودة المالكي سببًا محتملاً لفرض حصار اقتصادي أو سياسي على بلد بأكمله، فهذا اعتراف دولي صريح بفشل النخبة الحاكمة في إدارة الدولة. المؤلم ليس الموقف الأميركي بحد ذاته، بل هشاشة النظام العراقي أمامه، واختزال العراق بتاريخ حضاري عريق وثروات هائلة وشعب عظيم في أسماء مستهلكة ووجوه أعيد تدويرها بلا خجل، وكأن الدولة شركة خاصة تتقاسمها الأيدي ذاتها.

ان رفضُ العراقيين للحكومات المتعاقبة لم يأتِ من فراغ؛ فقد رأوا دولة تُدار بمنطق الغنيمة، وتُختزل بالطائفية والعشائرية، بعيدًا عن مفهوم المواطنة والمؤسسات. سياسيون لا يملكون قراءة صحيحة للتحولات الإقليمية والدولية، ولا يتحملون فكرة التغيير، فبقوا أسرى شعارات قديمة وتقديس أعمى.

أمنيا نرى توتر على الحدود مع سوريا، حيث تم نقل آلاف من سجناء تنظيم داعش وعوائلهم، وبيانات لفصائل مسلحة تلوّح بحرب شاملة إذا تعرّضت إيران لهجوم أميركي.

و اقتصاديا هناك ارتفاع ملحوظ في سعر صرف الدولار ، يرافقه ضرائب جديدة وقرارات تقشفية، وتأخير رواتب الموظفين والمتقاعدين.

ورغم هذا المشهد القاتم، ما زالت قوى القرار غارقة في التصريحات والشعارات الجوفاء، غير مكترثة بالخطر المحدق بكيان الدولة.

يرتكز ترشيح المالكي ، على خطاب غير مسؤول موجّه للمتشددين، وعلى استخدام المال العام لشراء الولاءات. غير أن السؤال الجوهري يبقى: ما معنى إعادة ترشيح رجل أقرّ علنًا بفشل تجربته؟ رجل ارتبط اسمه بسقوط محافظات بيد داعش، وبمجزرة سبايكر، وبأحداث دامية هزّت بغداد والبصرة والموصل وديالى، وبانتهاكات دستورية ومالية كبرى، وبإدارة أدخلت البلاد في نفق مظلم من التفجيرات والفوضى وضياع الأمن.

إن إعادة طرح هذا الاسم ليست مجرد خيار سياسي، بل رسالة خطيرة مفادها أن النظام غير قادر على تجديد نفسه، وأنه مصرّ على إعادة إنتاج الفشل.

لطالما جرى التوافق على رؤساء الحكومات في العراق بمباركة واشنطن وطهران خلف الكواليس. الجديد اليوم أن هذا التوافق أصبح علنيًا، ما فضح زيف “الديمقراطية” المعلنة. ورفض ترامب لترشيح المالكي يبدو، في نظر كثيرين، محاولة لتحديث أو تصحيح مسار عملية سياسية هي في الأصل صناعة أميركية بعد 2003، لكنها انحرفت عن أهدافها.

النظام العراقي يقف الآن أمام خيارين أحلاهما مرّ:

إما تراجع المالكي، وهو ما يمثل صفعة قاسية لخطاب السيادة المزيّف. أو المضي في تنصيبه، بما يعني مواجهة عقوبات وضغوط أميركية قد تعصف بما تبقى من الدولة .

إن رفض ترامب لترشيح المالكي يمكن قراءته بوصفه «تحديثًا قسريًا» لعملية سياسية هي أصلًا صناعة أميركية بعد 2003، لكنه في الوقت ذاته يفضح حقيقة أكثر إيلامًا: الداخل المفكك، والدولة المثقلة بالفساد، تكون أضعف في مواجهة الضغوط وأكثر قابلية للإذعان.

ومع احتمالات التصعيد الأميركي–الإيراني، يزداد الوضع خطورة. فأي ضربة لإيران ستترك أثرها المباشر على العراق، وقد تتحول أراضيه إلى ساحة معركة، مع تدفق لاجئين وأعباء اقتصادية إضافية على بلد بلغ حافة الإفلاس. واللافت أن من قدّموا الورود والهدايا للأميركيين بالأمس، لن يجدوا اليوم الدعم نفسه؛ فالمصالح تغيّرت، والسياسات تبدّلت.

خلاصة القول، إن ماجرى بين ترامب والمالكي لا يؤكد فقط قوة الخارج، بل يفضح ضعف الداخل. فالطبقة السياسية التي مارست الفساد والعبث لعقدين، وفشلت في بناء دولة مؤسسات، لا تملك اليوم مشروع إنقاذ، بل أدوات هدم قد تجرّ البلد إلى الانتحار .

الشعب العراقي لم يرشّح المالكي، ولم يكن شريكًا في القرارات التي تُتخذ في غرف مغلقة. ما يريده العراقيون هو حكم نزيه وشفاف، لا إعادة تدوير نفايات سياسية خانت آمالهم، ونهبت ثرواتهم، وبدّدت حلمهم بدولة عادلة تحفظ كرامتهم وتضمن مستقبلهم .

ادهم ابراهيم

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا