آخر الأخبار

بين الخطاب والفعل: أزمة القيادة ووعي الجماهير/ بقلم: مرعي حيادري

شارك

نحن شعبٌ لا يمكن إنكار تأثّره بالمشهد، ولا التقليل من قوّة العاطفة في تشكيل وعيه الجمعي. فالمشاهد المؤثرة تستفز الوجدان، والخطابات الرنّانة تستدعي التصفيق، ووحدة الصفّ – حين تكون صادقة – تبقى قيمة جميلة وضرورية. لكن الإشكال العميق لا يكمن في الجماهير، بل في القيادات التي تُسمّي نفسها قيادات أحزاب، بينما هي في الحقيقة بعيدة عن أن تكون قيادات جماهير
لقد تحوّلت الأحزاب، في كثير من محطّاتها، إلى منصّات سباق في البلاغة لا في الفعل، وفي صناعة الخطاب لا في صناعة الحل. يتراكضون في رسم الكلمات المنمّقة، ويتنافسون في استقطاب من تغريهم الشعارات، فيما تبقى القضايا الشعبية الحقيقية بلا معالجة، وبلا نتائج، وبلا أذنٍ صاغية. وكأنّ الخطاب صار بديلاً عن القرار، والمشهد بديلاً عن المسار، والهتاف بديلاً عن الخطة..

المشكلة ليست في التظاهر بحدّ ذاته، فالمظاهرة أداة نضالية مشروعة، بل في تحويلها إلى طقس موسميّ يُفرغ الغضب ولا يُنتج تغييراً. يريد بعض قادة الأحزاب أن يبقوا “قيادات أحزاب” لا “قيادات جماهير”، حفاظاً على مصالحهم الذاتية، وكراسيهم النيابية، ومواقعهم في المشهد السياسي. وهنا يتحوّل المواطن، عن قصد أو غير قصد، إلى أداة تعبئة مؤقّتة، أو مادة استهلاك في خطاب مسرحي تراجيدي، بلا نتائج تُذكر..

غير أنّ المواطن المثقّف لم يعد ذلك المتلقي الساذج. لم تعد المظاهر تخدعه، ولا العناوين البرّاقة تُلهيه عن الزيف المتراكم يوماً بعد يوم. الوعي الشعبي في تصاعد، والأسئلة باتت أكثر جرأة:
ما الذي تغيّر بعد كل مظاهرة؟
أين الخطة؟
أين المتابعة؟
وأين المحاسبة؟
إنّ مطلبنا اليوم ليس مشهداً إضافياً ولا خطاباً أعلى صوتاً، بل نتائج ملموسة ومحسوسة تُقاس على أرض الواقع. نريد أفعالاً لا انفعالات، واستراتيجيات لا ارتجالاً، ومساراً واضحاً لا ردود فعل عابرة. ومن حقّ الجماهير أن تلفظ كل من يريد تحويل معاناتها إلى عرض خطابي مسرحي، بلا نتائج وبلا التزام حقيقي

وعليه، فإنّ دور الدولة ومؤسّساتها لم يعد قابلاً للتجاهل أو التسويف. فالمواطنون العرب يشكّلون ما يقارب 22% من عدد السكان، وهذه حقيقة ديمغرافية وسياسية لا يمكن القفز عنها. المسؤولية لم تعد أخلاقية فحسب، بل قانونية ومؤسسية، تبدأ من توفير الأمن، ولا تنتهي عند معالجة جذور العنف والجريمة التي تتوسّع مراحلها يوماً بعد يوم..

ويبقى السؤال الجوهري:
هل تكفي مظاهرة واحدة، أو حتى عشر مظاهرات، لإجهاض هذا المسار الإجرامي المتفاقم؟ ... الجواب واضح: لا..

ما نحتاجه هو نضال تراكمي، ورؤية بعيدة المدى، وقيادة تمتلك الجرأة على الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق الفعل، ومن تسجيل المواقف إلى صناعة التحوّلات..

إن لم تُستثمر وحدة الجماهير في مشروع واضح، وإن لم تُترجم الغضبة الشعبية إلى سياسات وضغط منظّم ومستمر، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها: غضب، مظاهرة، خطاب، ثم عودة إلى نقطة الصفر. والفرق الوحيد أنّ الثمن هذه المرة سيكون أثقل، لأنّ الزمن لا يعمل لصالحنا، ولا يرحم من يكتفي بالكلام..

اللهم اني كتبت وقرات وحللت بما جاد به القلم..وان كنت على خطأ فقوموني..

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا