أثنى الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، على ثبات الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية والتزامه بمبادئ القانون الدولي، ورضوخ إسرائيل لطلبات مصر بعدم تواجد الجيش الإسرائيلي داخل معبر رفح، حيث جاء ذلك عقب الأنباء المتداولة حول رفض مصر القاطع لشروط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن التواجد الإسرائيلي في المعبر، مؤكدًا أن هذا الموقف يمثل دفاعًا حقيقيًا عن السيادة الفلسطينية ورفضًا لأي محاولات لتكريس السيطرة الإسرائيلية على المعابر.
وقال الدكتور مهران لموقع بكرا إن الموقف المصري الثابت الرافض لأي تواجد للجيش الإسرائيلي في معبر رفح يأتي متسقًا تمامًا مع مبادئ القانون الدولي، وخاصة قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة التي تؤكد على عدم شرعية السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة سيادته الكاملة على أراضيه ومعابره الحدودية دون أي وصاية أو هيمنة من الجيش الإسرائيلي.
وأضاف أنه وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدًا اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، فإن الجيش الإسرائيلي ملزم بحماية السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية، وليس فرض سيطرته على المعابر الحدودية والمنافذ الحيوية التي تشكل شريان الحياة للشعب الفلسطيني، معتبرًا أن محاولة نتنياهو فرض شروط التواجد الإسرائيلي في معبر رفح هي في حقيقتها محاولة لتكريس السيطرة الإسرائيلية وتحويلها من وضع مؤقت بحكم القانون الدولي إلى واقع دائم، وهو ما ترفضه مصر جملة وتفصيلاً.
تعقيدات المشهد السياسي
ولفت مهران إلى أن الضغوط الأمريكية التي أشارت إليها التقارير الإعلامية الإسرائيلية لفتح المعبر من الجانب الفلسطيني تكشف عن تعقيدات المشهد السياسي في المنطقة، موضحًا أن قرار فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، رغم الضغوط الأمريكية الكبيرة، جاء في إطار الحرص على تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذي يعاني من حصار خانق منذ سنوات، متابعًا: “لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال القبول بشروط الجيش الإسرائيلي، وهنا يبرز دور مصر الحاسم في رفض أي صيغة تتضمن تواجدًا إسرائيليًا يمس السيادة الفلسطينية”.
وأشار الخبير الدولي إلى أن معبر رفح يمثل رمزًا للسيادة الفلسطينية ومنفذًا حيويًا للحياة في قطاع غزة، مشددًا على أن المعبر ليس مجرد نقطة عبور حدودية، بل هو تعبير عن حق الشعب الفلسطيني في التواصل مع العالم الخارجي، واستقبال المساعدات الإنسانية والطبية، وممارسة حياته الطبيعية، لافتًا إلى أن أي تواجد للجيش الإسرائيلي في هذا المعبر يعني عمليًا استمرار الحصار والسيطرة الإسرائيلية، وهو ما يتعارض كليًا مع قرار مجلس الأمن رقم 242 والقرارات الدولية اللاحقة التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
دور مصر المحوري
وفي سياق تحليله للأبعاد القانونية للموقف المصري، أوضح الدكتور مهران أن مصر تلعب دورًا محوريًا في حماية الحقوق الفلسطينية منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، حيث التزمت دائمًا بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة في إطار القانون الدولي، مشيرًا إلى أن الموقف الحالي الرافض لأي تواجد للجيش الإسرائيلي في رفح يؤكد أن مصر لن تكون شريكًا في أي ترتيبات تضر بالسيادة الفلسطينية أو تكريس السيطرة الإسرائيلية، مهما كانت الضغوط الخارجية.
ونوّه أستاذ القانون الدولي إلى أن التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن ضغط أمريكي كبير تكشف عن محاولات لتجاوز الموقف المصري الثابت، مضيفًا أن الإدارة الأمريكية، رغم كونها الراعي التقليدي لعملية السلام، تمارس في كثير من الأحيان ضغوطًا تصب في مصلحة إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، لكن بسبب مصر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي وثقلها الإقليمي، لديها من الأدوات القانونية والسياسية ما يمكّنها من الدفاع عن موقفها المبدئي.
احترام القانون الدولي
وفي رؤية استشرافية للمشهد المستقبلي، قال مهران: "إن نجاح مصر في رفض الشروط الإسرائيلية رغم الضغوط الأمريكية يمثل سابقة مهمة في التعامل مع ملف غزة"، موضحًا أن هذا الموقف يرسل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الحلول الدائمة للقضية الفلسطينية يجب أن تقوم على احترام القانون الدولي والشرعية الدولية، وليس على فرض شروط الجيش الإسرائيلي بالقوة أو بالضغوط السياسية.
واستطرد قائلاً: "إن معبر رفح اليوم هو اختبار حقيقي للمجتمع الدولي: هل سيقف إلى جانب القانون الدولي والحقوق الفلسطينية المشروعة، أم سيستمر في ازدواجية المعايير والانحياز لإسرائيل؟ الموقف المصري الواضح والحاسم يضع الجميع أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية. نحن لسنا بصدد مجرد فتح معبر، بل بصدد الدفاع عن مبادئ السيادة الوطنية والحق في تقرير المصير، وهي حقوق لا تقبل المساومة أو التفاوض".
المصدر:
بكرا