آخر الأخبار

هل سيُكتَب النجاح للحلف الاسرائيلي في شرق المتوسط

شارك

تبدو متغيرات في النظرة الاسرائيلية الاستراتيجية تجاه المنطقة، وتجد تعبيرا عنها في تحركات تجد تعبيرا عنها في الاعتراف بأرض الصومال والسعي لقاعدة عسكرية كبرى على البحر الاحمر مقابل اليمن؛ والاتفاق مع النظام السوري برعاية امريكية؛ والتحالف العسكري الاستراتيجي مع اليونان وقبرص.

امتازت الحرب متعددة الجبهات بقدرات عسكرية هائلة مقابل انسداد اي أفق سياسي لحكومة اسرائيل، فيما كان السعي الاسرائيلي يرمي الى ترتيبات أمنية في كل من لبنان وسوريا وغزة . ما يحصل بعد لباستدامة الحالية لخطّة انهاء الحرب على غزة هو استغلال الانجازات العسكرية لصالح مخططات اقليمية التفافية على ثنائية التطبيع واشتحقاقه المتمثل بالدولة الفلسطينية.

اعتبر نتنياهو ان ضم ادارة ترامب لكل من تركيا وقطر في اطار تنفيذيّة "مجلس السلام" يشكل اختراقا امريكيا مقصودا للخطوط الحمر الاسرائيلية، واعلان نتنياهو عن تحدي هذه الخطوة وقرار الكابنيت برفض اي دور لتركيا او قطر في قطاع غزة باعتبار ذلك توفيرا لبيئة تعيد فيها حركة حماس بناء قدراتها مجددا واحتمالية "خطر 7 اكتوبر جديد". في المقابل فإن ادارة ترامب معنية بتركيا بوصفها دولة اقليمية كبرى وعضو في الناتو الى جانب مصر في ايجاد صيغة لنزع السلاح وتعطيل استخدامه معا.

وبشكل ناجع وحتى دونما استخدام القوة والصدام في غزة. فيما ان التهديدات الاسرائيلية بالعودة للحرب في حال لم يتم تفكيك السلاح تبدو انها تهديدات لا رصيد لها سوى على المستوى الاسرائيلي الداخلي الانتخابي وكيف يظهر نتنياهو واقطاب ائتلافه امام ناخبيهم. فيما ان الترجمة الفعلية لنزع السلاح بالقوة العسكرية وهو ما اخفقت فيه اسرائيل على مدار عامين من الحرب المكثفة وحتى "عربات جدعون2" يثير ما ورد التساؤل: هل حقا نتنياهو معنيّ بنزع سلاح حماس، أم أن الوضع القائم يتيح لحكومته مواصلة الحالة الامنية التصعيدية في غزة على غرار ما تقوم به اسرائيل في لبنان ايضا تحت مسمى نزع السلاح.

اسرائيل وتركيا ليستا دولتين عدوّين، بعد سقوط نظام الاسد تصاعد التوتر بين البلدين في الملف السوري والنفوذ في هذا البلد ومستقبله، هل سيبقى بلدا موحدا ام سيتم تفكيكه الى كيانات. فيما تنظر اسرائيل الى منطقة شرق البحر المتوسط كمنطقة استراتيجية بامتياز بما فيها الممرات المائية وحقول الغاز تحت البحر. في حينه نظرت اسرائيل الى تركيا بأنها من اكثر الدولة الاقليمية التي سارعت الى تثبيت مواقعها وسيطرتها في ليبيا بعد سقوط القذافي.

وفي هذه الحالة ايضا السيطرة على الموارد والنفط ذي الجودة العالية عالميا. كما رأت مراكز الامن القومي بأن تركيا ومن خلال قدراتها الذاتية وسيطرتها على شمال قبرص وشمال غرب سوريا قد ضاعفت نفوذها في البحر المتوسط، فيما حدثت مضاعفة نفوذ في البحر الاحمر في ارض الصومال كما ورد اعلاه.

وفقا لتقرير صحيفة معاريف 18/1/2026 ونقلا عن تحقيقات قناة GZT التركية تسعى اسرائيل واليونان وقبرص الى تعميق تحالفهم العسكري، لدرجة الاعتماد على التفوق التكنولوجي الحربي الاسرائيلي وسعيا لتشكيل قوة تحرك سريع مشتركة في الجنوب القبرصي قوامها 2500 جندي منهم ألف اسرائيلي وألف يوناني. وأن هذه القوة التي تم الكشف عنها من اواخر العام 2025 تقوم بتدريبات على اسقاط المسيّرات وعلى حماية احتياطيات الغاز في شرق المتوسط وعلى اقامة ممرات مائية استراتيجية "تدعى ممرات الطاقة" في قبرص يمر منها الغاز الى اوروبا بتجنّب السواحل التركية الأطول على البحر، وتسعى الى استبعاد أنقرة من مشاريع التجارة العالمية التي يجري العمل عليها في المنطقة.

ما يقلق تركيا وفقا للمصدرين اعلاه، هو التفوق التكنولوجي لإسرائيل والاعتبار بأن نظام الدفاع الجوي 'باراك إم إكس' الاسرائيلي الذي يتم تشغيله في قبرص يُعدّ متغيّرا جوهريا، وأنه حتى وإن لم تقع حرب اقليمية فإنه يتيح لاسرائيل الفرصة لمراقبة تركيا عن كثب وجمع المعلومات الاستخباراتية. يسود الاعتقاد أن الهدف هو إنشاء "قبّة حديدية" إقليمية بالدمج بين منظومة "القبة الحديدية" الإسرائيلية وشبكة الدفاع الجوي "درع أخيل" التي تحاول اليونان إنشاءها وتحقيق التفوق الجوي المشترك في المنطقة.

يقوم الرفض الاسرائيلي لمشاركة تركيا في الهيئة التنفيذية في غزة باعتبارين؛الاول هو ان تركيا وفقا لاسرائيل لن تضحي بحماس وبسلطتيها الامنية والسياسية؛ فيما يشكل التواجد التركي العسكري في غزة نقطة انطلاق للتنافس على احواض الغاز الفلسطينية في المياه الاقتصادية الفلسطينية؛ فيما التعاطي الاخر هو وظيفي كما يبدو، اذ تتحول مسألة مشاركة تركيا في تنفيذية مجلس السلام الى مسوّغ لدى نتنياهو لتعويق المرحلة الثانية وأن كان سلّم بها، وذلك بالابقاء على مسألة نزع السلاح غير محسومة فيما الظروف المعيشية والحياتية على ارض غزة هي قاتلة وقد بدأت ترشح المعطيات عن الاوبئة الفتاكة والولادة المبكرة لدى الاف الحوامل وبنقص في التغذية لهن وللرضّع، والمحتاجين الى بتر الاطراف وتركيب الاصطناعية منها والخدمات الصحية المنهارة تماما.

والتعليم المعطل والقائمة لا تنتهي. إن ارجاء تطبيق حقيقي للمرحلة الثانية وفتح معبر رفح بالاتجاهين واعادة تعمير غزة هي مجتمعة بمثابة إبادة من دون صخب ولا ضجيج، والخيار للغزيين في حال استدامت سيكون الهجرة أملا بالحياة، وهو ما يعود اطراف الائتلاف الحاكم للحديث عنه بالطرد الجماعي والاستيطان والسيطرة التامة على شرق المتوسط من خلال غزة.

الرفض الاسرائيلي للتواجد التركي في غزة هو أيضا وظيفي، اذ تفيد العديد من التقديرات العبرية بأن التهج الذي ميز التوجهات الاسرائيلية الى المقترحات الامريكية لغاية الان، تميز بالسعي الى اعتماد مبدأ المقايضة اي التنازل في ملف غزة لصالح تعزيز السياسات الاسرائيلية في الضفة. في حالة تركيا علت العديد من الاصوات التي طالبت ادارة ترامب باشتراط الدور التركي في غزة بتنازلات تركيا لصالح اسرائيل في سوريا، الا ان هذه المساعي وصلت الى طريق مسدود حيث حددت الاولويات الامريكية المواقف الاسرائيلية وبشكل حازم أحيانا.

الخلاصة: تسعى اسرائيل وبشكل حثيث الى اسغلال نجاحاتها العسكرية اقليميا من أجل ترسيخ تحالفات بعيدة المدى في كل من منطقة القرن الافريقي وأرض-الصومال، وفي شرق المتوسط بإقامة حلف عسكري اقليمي ذي أبعاد دولية مع كل من اليونان وقبرص. كلا المسعيين لهما أبعاد عسكرية وهيمنة على البحر الاحمر كممر تجاري وعسكري عالمي، وعلى ممرات الطاقة من خلال قبرص، لتكتمل بنية الدول التي ستندمج في مشروع الممر المائي البري من الهند الى اوروبا مرورا بالخليج واسرائيل. إن تحييد اكبر قوتين اقليميتين اي مصر وتركيا سوف يتيح لاسرائيل المزيد من مجالات الهيمنة.

يشكل التحالف مع اليونان وقبرص اساسا للاستحواذ على حقول الغاز الهائلة بما فيها حقول الغاز الفلسطينية مقابل قطاع غزة، ولها بعد جيوسياسي في رغبة التيار السائد في الحكم في اسرائيل في لعب دور الوسيط الاقليمي الموازي لدول الخليج في مجالي الطاقة والتجارة الدولية، وتحصين ذلك بتحالفات عسكرية.

رغما عن النوايا الاسرائيلية في التحالف مع اليونان وقبرص الا ان الدولتين المذكورتين ليسا بالضرورة معنيتين بالمواجهة العسكرية مع تركيا في اي ظرف كان، لان مثل هكذا مواجهة ستضعف الاطراف الثلاثة وتمنع التعاون الممكن فيما بينها، ائ أن معظم دول المنطقة العربية وشرق المتوسط معنية بالاستقرار والتعاون ومنع الحروب.

يبدو ان التعاطي الاسرائيلي الوظيفي مع الدور التركي في غزة وفرضية المقايضة بين الجبهات قد وصلت الى طريق سدته واشنطن التي تريد لاولوياتها ان تُطَبَّق دون رهنها بأولويات حكومة نتنياهو. كما من المستبعد ان ينجح نتنياهو باستبعاد الدور التركي في غزة.

التنسيق الاقليمي وحصريا المصري السعودي التركي من شأنه ان يجعل المخططات الاسرائيلية غير نافدة، فيما علاقات حسن الجوار بين مصر وكل من قبرص واليونان من شأنها تحول دون تحويل التحالف الاسرائيلي اليوناني القبرصي الى تهديد لايٍّ من دول المنطقة.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا