آخر الأخبار

سخنين ليست لحظة عابرة… بل امتحان أخير لثقة الناس/ بقلم: محمد دراوشة

شارك

وثيقة سخنين لتحالف الاحزاب العربية لم تكن بياناً عابراً ولا خطوة بروتوكولية تُضاف إلى أرشيف السياسة العربية. ما حدث في سخنين كان لحظة فارقة كشفت أن الشارع العربي تجاوز قياداته في الوعي والنضج، وأن الجماهير باتت تمتلك القدرة على فرض ما عجزت عنه أشهر طويلة من المفاوضات المتعثرة. فالوحدة التي فشلت الأحزاب في تحقيقها داخل الغرف المغلقة، فرضها الناس في الميدان، بصوت واحد وإرادة واضحة لا تقبل التأويل في اجتماع شعبي مفتوح.

الجماهير التي خرجت بعشرات الآلاف لم تكن تبحث عن تحالفات تقنية، بل عن مشروع سياسي يعيد لها ثقتها بنفسها وبممثليها. ومع ذلك، نسمع اليوم من بعض القيادات من يصف اتفاق سخنين بأنه “تحالف تقني”، وكأن الوحدة التي طالب بها الناس ليست سوى خطوة مؤقتة قابلة للتراجع في أي لحظة. هذا الخطاب يعيدنا إلى تجارب مريرة في تاريخنا السياسي القريب، تجارب أثبتت أن الانقسام لا يضر الأحزاب وحدها، بل يضرب أساس العملية السياسية: ثقة الناس.

عام 2015، عندما تشكلت القائمة المشتركة، ارتفعت نسبة التصويت بشكل لافت، وحصلت على 15 مقعداً. لم يكن ذلك نتيجة عبقرية حزبية، بل تعبيراً عن ثقة الناس بأن صوتهم موحد وقادر على التأثير. لكن عندما تفككت القائمة لاحقاً بسبب خلافات داخلية، تراجعت الثقة، وتراجعت معها نسبة المشاركة، وتشتت الصوت العربي بين قوائم متعددة. هذه التجربة ليست بعيدة، ولا تحتاج إلى تحليل عميق. إنها درس مباشر: كلما توحّدنا ارتفع تمثيلنا، وكلما انقسمنا تراجعنا.

التراجع اليوم عن وثيقة سخنين لن يُفهم كخلاف تنظيمي، بل كإهانة مباشرة لإرادة الناس. سيشعر المواطن بأن صوته في الشارع لا قيمة له، وأن القيادات لا ترى فيه شريكاً بل رقماً انتخابياً. وعندها، سيكون الانسحاب من المشاركة السياسية ردّاً طبيعياً، وربما نهائياً. إن فقدان الثقة ليس حدثاً عابراً، بل قد يصبح انهيارا طويل الأمد. والمجتمع الذي يفقد ثقته بتمثيله السياسي يفقد جزءاً من قوته وقدرته على التأثير.

وثيقة سخنين ليست ورقة انتخابية، بل عهد بين الناس وقياداتهم. اختبار لمدى قدرة الأحزاب على احترام إرادة الشارع، وعلى تجاوز مصالحها الضيقة من أجل مصلحة مجتمع كامل يقف على مفترق طرق. مسؤولية القيادات اليوم ليست فقط الحفاظ على الوحدة، بل تحويلها إلى مشروع سياسي حقيقي، قائم على برنامج واضح وتمثيل صادق وشراكة مع الناس لا عليهم.

الناس قالت كلمتها في الشارع، وعلى القيادات أن تقول كلمتها بالفعل. الوحدة ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية. والتراجع عنها لن يكون مجرد خطأ، بل مقامرة بمستقبل مجتمع كامل.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا