آخر الأخبار

النموذج مقابل القدوة: مصدر الإلهام من الأسرة إلى المجتمع والإعلام

شارك

في مراحل مختلفة من حياتنا، نلتفت إلى شخص ما ونفكر: هكذا أريد أن أكون. قد يكون أستاذًا، أحد الوالدين، شخصية عامة، أو حتى شخصية خيالية.

هذا الشخص لا يمنحنا إجابات جاهزة، لكنه يفتح أمامنا طريقا ممكنا. هنا تكمن قوة القدوة؛ فهي لا تفرض علينا سلوكا، بل تُلهمنا أن نختار الأفضل لأنفسنا.

الحديث عن القدوة لا يخص الأطفال وحدهم، بل يشمل الكبار أيضا؛ لأن التعلم بالملاحظة لا يتوقف عند سن معينة.

ما الفرق بين النموذج والقدوة؟

في علم النفس، يُقصد بـ«النموذج» أي شخص يمكن تقليد سلوكه، سواء كان إيجابيا أو سلبيا. أما «القدوة»، فهي النموذج الإيجابي الذي يُلهم السلوك الجيد ويوجّه الاختيارات بطريقة صحية.

تشير الأبحاث إلى أن أكثر القدوات تأثيرا هم الأشخاص الذين نشعر بأنهم يشبهوننا إلى حد ما، سواء في الخلفية الاجتماعية، أو التجربة الحياتية، وأن يكون نجاحهم واقعيا وقابلا للتحقيق، لا بعيدا أو مثاليا بشكل مُحبط.

لماذا تكون القدوة المتشابهة أكثر تأثيرا؟

يميل الأفراد، خصوصا الأطفال والمراهقين، إلى التعلّم من أشخاص يشعرون أنهم قريبون منهم. ولهذا السبب، تلعب القدوة المتشابهة في الأحلام أو الخلفية الثقافية دورا بالغ الأهمية.

تُظهر الدراسات أن الطالبات، مثلًا، يكنّ أكثر إقبالًا على دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عندما يتعلمن على يد أستاذات، ويزداد احتمال استمرارهن في هذه التخصصات. كما يتحسن الأداء الأكاديمي لدى الطلاب من خلفيات عرقية أو ثقافية معينة عندما يتعلمون مع معلمين يشاركونهم هذه الخلفية.

الأثر لا يتوقف عند الجامعة، بل يبدأ في مراحل مبكرة جدا، حيث وُجد أن الأطفال الذين يرون أنفسهم ممثلين في شخصيات مؤثرة يطورون طموحات أعلى وثقة أكبر بقدرتهم على النجاح.

القدوة لا يجب أن تكون شخصا نعرفه

ليست كل القدوات من دائرة العائلة أو المدرسة. فالإعلام، بما فيه من شخصيات عامة أو حتى خيالية، يلعب دورا مهما في تشكيل القيم والطموحات. شخصيات الأفلام، المسلسلات، الكتب، والموسيقى يمكن أن تترك أثرا إيجابيا عميقا إذا كانت الرسائل التي تقدمها صحية ومتزنة.

لكن التحدي يكمن في أن التمثيل المتوازن لم يكن متاحا دائما، خصوصا للنساء أو الفئات المهمشة؛ ما جعل كثيرا من الأطفال يبحثون عن قدوات في محيطهم القريب بدل الشاشة.

دور الوالدين وحدود هذا الدور

يُعد الوالدان أول قدوة في حياة الطفل، وغالبا ما يكون تأثيرهما أقوى عندما يكون الوالد من الجنس نفسه. لكن الواقع أن الأطفال، مع تقدمهم في العمر، يقضون وقتا أطول خارج إطار الأسرة، وتبدأ اهتماماتهم في التوسع.

لهذا، يصبح وجود قدوات أخرى، قريبة من اهتماماتهم وأعمارهم، أمرا ضروريا. وهنا تظهر أهمية برامج الإرشاد والتوجيه، التي تربط الأطفال والمراهقين بمرشدين أكبر سنا قليلا، قادرين على تقديم الدعم والتشجيع دون فرض.

برامج الإرشاد تصنع فارقا

أثبتت برامج التوجيه المجتمعية أن وجود مرشد إيجابي في حياة الطفل يمكن أن ينعكس على تحصيله الدراسي، ثقته بنفسه، واستقراره النفسي. الأطفال المشاركون في هذه البرامج يُظهرون التزاما أكبر بالمدرسة، غيابا أقل، وثقة أعلى بقدراتهم الأكاديمية والمهنية مستقبلا.

هذه النتائج تؤكد أن القدوة ليست رفاهية تربوية، بل حاجة أساسية، خصوصا للأطفال الذين لا تتوفر لهم نماذج متنوعة في محيطهم المباشر.

القدوة تمنحنا أكثر من مجرد مثال يُحتذى به؛ إنها توسّع أفق الممكن، وتُشعرنا بأن الطريق الذي نحلم به ليس حكرا على أحد. سواء كنتِ أماً، معلمة، أختاً كبرى، أو حتى صديقة، تذكّري أن وجودك وسلوكك قد يكونان نقطة تحوّل في حياة شخص آخر.

وفي زمن باتت فيه الخيارات كثيرة، تبقى القدوة الجيدة واحدة من أصدق الطرق لبناء جيل أكثر وعيا وثقة وقدرة على الاختيار.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا