آخر الأخبار

هبة سخنين: لحظة اختبار ومسؤولية وطنية

شارك

هبّة سخنين: لحظة اختبار ومسؤولية وطنية

الشيخ د. كامل ريان رئيس مركز أمان


ليست المظاهرة الجباره التي شهدتها سخنين حدثًا عابرًا في روزنامة الاحتجاجات، ولا هي مجرّد ردّ فعل غاضب على جريمة جديدة أو دمٍ أُريق ظلمًا، بل تمثّل لحظة وعي جماعي نادرة، تتكثّف فيها صرخة الناس مع إدراك عميق بأن المجتمع العربي يقف على حافة خطيرة، وأن استمرار النزيف بات يهدّد وجوده وأمنه ونسيجه الداخلي.

إن نجاح هذه المظاهرة لا يُقاس فقط بحجم المشاركة الشعبية ولا بعدد اللافتات والشعارات، بل بقدرتها على التحوّل من تعبير احتجاجي إلى مسار منظّم يعالج جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.

هذا الحراك الشعبي يحمل في جوهره رسالة واضحة: الناس لم تعد قادرة على الاحتمال، ولم تعد تقبل أن تبقى رهينة الجريمة المنظّمة، والفوضى، وغياب الأمان، والتفكك الاجتماعي. وهو في الوقت ذاته تعبير عن فقدان الثقة بالحلول الجزئية والوعود الموسمية، وعن إدراك متزايد بأن إنقاذ المجتمع يبدأ من داخله، ومن إعادة تنظيم ذاته بنفسه، وبمسؤولية جماعية واعية.

مصدر الصورة

غير أن التجارب السابقة تُعلّمنا أن الهبّات الشعبية، مهما كانت صادقة وعفوية، قابلة للتبخّر السريع إذا لم تُستثمر في مشروع منظّم واضح المعالم. لقد شهدنا في الماضي احتجاجات واسعة وهبّات مؤثرة، لكن غياب البناء المؤسسي والتشبيك المنهجي جعلها تنتهي دون أن تُحدث التغيير المطلوب، بل تركت فراغًا أوسع استغلّته قوى الجريمة والعبث، ودفعنا جميعًا ثمنه من أرواح أبنائنا وأمن بلداتنا.

من هنا، فإن هبّة سخنين تضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نكتفي بالتظاهر ونعود إلى بيوتنا منتظرين الفاجعة التالية، وإما أن نحول هذا الحراك إلى مشروع وطني يعيد تنظيم المجتمع العربي من الداخل، ويؤسس لأدوات ضبط ذاتي مستدامة، تُعيد الاعتبار لقيمة الحياة، ولسيادة القانون، وللسلم الأهلي.

المطلوب اليوم ليس شعارات إضافية، بل بناء إطار عملي في كل بلدة ومدينة، يقوم على تشكيل لجان فاعلة تتحمّل مسؤوليات واضحة، وتعمل بتكامل وتشابك. لجنة شعبية عامة تكون العنوان الجامع لكل القضايا الجماهيرية، وتشكّل مرجعية تمثيلية تعبّر عن نبض الناس، وتتابع شؤونهم، وتقود الحراك الشعبي المنظّم مرتبطة بلجنة المتابعه لقيادة الجماهير العربيه في البلاد (بعد إعادة تنظيمها من جديد تحت القياده الجديده)إلى جانبها لجنة إصلاح موسّعة، تعنى بالسلم الأهلي، وتعمل على احتواء النزاعات، ومنع تفاقمها، ومعالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، مستندة إلى رصيد من الحكمة والخبرة والمكانة المجتمعية مرتبطه باللجنه القطريه لرؤساء السلطات المحليه ، وإلى جانب هاتين اللجنتين، لجنة حراسة مجتمعية هدفها تعزيز الأمان وحماية المواطنين، والعمل بتنسيق واضح مع السلطات المحلية والمؤسسات الرسمية، في إطار يحفظ القانون ولا يستبدله، لكنه يمنع الفراغ الذي تتسلل منه الجريمة.

خطورة المرحلة تفرض أن لا يبقى عمل هذه اللجان محليًا ومجزأً، بل أن يكون هناك تشابك لوائي بين البلدات، وتنسيق قطري يضمن وحدة الرؤية وتكامل الجهود. إن اختيار لجان قطرية منبثقة عن هذا العمل الميداني، ومرتبطة بلجنة المتابعة العليا كقيادة جماهيرية جامعة، ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع وطني جاد. والأهم من ذلك أن يكون القائمون على هذا العمل متفرغين، بصلاحيات واضحة، وموارد حقيقية، بعيدًا عن العمل الشكلي أو الموسمي.

وفي هذا السياق، لا يمكن القفز عن الدور المركزي لرؤساء السلطات المحلية. فرئيس السلطة المحلية هو الرجل الأول في بلدته، والمسؤول الأول أمام أهلها، وبيده الأدوات، والموارد، والصلاحيات التي تمكّنه من قيادة هذا المشروع أو إفشاله. أي محاولة لتهميش هذا الدور أو الالتفاف عليه ستؤدي حتمًا إلى إضعاف الجهود وإعادة إنتاج الفشل. المطلوب شراكة كاملة، ومسؤولية مباشرة، وإشراف فعلي من رئيس السلطة المحلية على عمل هذه اللجان، باعتبارها جزءًا من واجبه الأخلاقي والوطني قبل أن يكون الإداري.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مظاهرة سخنين هو الاكتفاء بالشعور اللحظي بالقوة أو التفريغ العاطفي، ثم العودة إلى حالة الانتظار والعجز. من دون هذا التشبيك والتنظيم، ستتبخّر هذه الهبّة كما تبخّرت غيرها، وستكون النتيجة انتكاسة خطيرة، ندفع ثمنها مزيدًا من الدم، وخسائر اقتصادية واجتماعية فادحة، وتآكلًا أخطر في قدرة المجتمع على ضبط ذاته وحماية أبنائه.

هبّة سخنين يجب أن تكون نقطة بداية لا نهاية، ومسؤولية ما بعدها لا تقل أهمية عن لحظة خروج الناس إلى الشارع. فالاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للمظاهرة، حين يُسأل الجميع: ماذا بعد؟ هل نملك الشجاعة للانتقال من الغضب إلى البناء، ومن الاحتجاج إلى التنظيم، ومن ردّ الفعل إلى الفعل المسؤول؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد إن كانت سخنين ستُسجَّل كصرخة أخرى في سجل الألم، أم كلحظة مفصلية أعادت للمجتمع العربي بوصلته وقدرته على حماية ذاته ومستقبله.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا