في أعقاب الحرب المدمّرة على قطاع غزة، وتعقّد المشهد الإقليمي نتيجة تداخل الأزمات من إيران إلى فنزويلا مرورًا بالبحر الأحمر وغرينلاند، برزت المبادرة دولية القديمة الجديدة تقضي بإشهار مجلس السلام العالمي وتشكيل لجنتين: تنفيذية وإدارية، تتوليان إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الدمار الشامل. ان هذه المبادرة، التي يُقال إنها جرت برعاية أمريكية وبمشاركة أطراف إقليمية ودولية، تعكس إدراكًا متأخرًا لحجم الكارثة الإنسانية والسياسية في القطاع، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول فرص نجاحها أو إفشالها.
وتتكوّن اللجنة التنفيذية من شخصيات دولية، معظمها أمريكية كمايكل روبيو، جاريد كوشتي، ستيفان وتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير، إلى جانب مندوبين عن تركيا وزير الخارجية حقان فيدان، والمسؤول القطري علي الوادي ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، مع دعوة ملك الأردن للانضمام إليها ويترأس هذه اللجنة البلغاري مايكل ميلادينوف. أما اللجنة الإدارية، فتتكوّن بالأساس من شخصيات فلسطينية، وتتولى إدارة الشؤون اليومية، وإعادة الإعمار، وتنظيم عمل المؤسسات المدنية في قطاع غزة. ومن حيث الشكل، يبدو هذا التقسيم منطقيًا، إذ يجمع بين الغطاء الدولي والخبرة المحلية الفلسطينية، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في السياق السياسي الذي وُلدت فيه هذه المبادرة.
اما إسرائيل، التي دمّرت أكثر من 70% من البنية التحتية للقطاع، فلا تُخفي عدم حماسها لهذه اللجان على الرغب ان غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية هم مقربين لإدارة ترامب ومقربين من اسرائيل، خصوصًا بسبب مشاركة تركيا وقطر، اللتين تعتبرهما تل أبيب أطرافًا “غير مرغوب بها”. اما المعارضة الإسرائيلية برئاسة يئير لبيد فقد هاجمت المبادرة، لكنها لم تفعل ذلك بدافع إنساني أو حرصًا على إعادة الإعمار، بل خوفًا من أن تؤدي هذه اللجان إلى ربط غزة بالضفة الغربية، بما يشكّل خطوة رمزية – وربما عملية – نحو إعادة إحياء مشروع الدولة الفلسطينية وأضاف لبيد بان هذه المبادرة والتي جاءت بدون تنسيق مع إسرائيل هي أكبر دلالة على فشل الحرب التي شنها نتانياهو ضد الفلسطينيين خلال العامين الماضيين.
وهنا تكمن المفارقة فإسرائيل التي لا تريد تحمّل كلفة إعادة الإعمار، ولا ترغب في إدارة مباشرة للقطاع، ترفض في الوقت نفسه أي صيغة دولية أو إقليمية قد تُنهي حالة الفوضى وتمنح الفلسطينيين أفقًا سياسيًا وإعادة بناء اقتصادي وحياتي. فهي تفضّل بقاء غزة مدمّرة، ضعيفة، ومعزولة، حتى لو كلّف ذلك الاستمرار في حالة عدم الاستقرار الأمني داخل إسرائيل نفسها.
أما فرص نجاح هذه المبادرة، فهي مرتبطة بعدة شروط أساسية. أولها، وجود إرادة دولية حقيقية، ولا سيما من الولايات المتحدة، للضغط على إسرائيل ومنعها من عرقلة عمل اللجنتين، سواء عبر القيود الأمنية أو التحكم بالمعابر والتمويل. الدور الأمريكي إذا بقي رمزيًا وشكليًا، فلن تكون لهذه المبادرة أي فرصة حقيقية للحياة.
ثانيًا، على الأطراف الإقليمية المشاركة – خصوصًا تركيا وقطر ومصر – أن تنسّق فيما بينها بشكل عملي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، وأن تضع خطة واضحة لإعادة الإعمار، تشمل بناء أكثر من 300 ألف وحدة سكنية، وإعادة تأهيل البنية الصحية والتعليمية، وإحياء المجتمع المدني الذي تعرّض لتدمير ممنهج في القطاع.
ثالثًا، من الضروري عدم الانجرار وراء الشروط الإسرائيلية المتعلقة بـ ”نزع السلاح” كمدخل لإعادة الإعمار. فالتجربة أثبتت أن هذا الشرط الاسرائيلي يُستخدم كذريعة سياسية لتعطيل أي مسار إنساني أو سياسي. فغزة اليوم ليست ساحة عسكرية بقدر ما هي فضاء مدني منكوب، وأولوية السكان هي الحياة، ولا حاجة للدخول في سجالات أمنية لا تنتهي.
في المقابل، فان فشل هذه المبادرة سيعني استمرار الكارثة، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على كامل المنطقة. قطاع غزة المنهار سيبقى بؤرة توتر دائم، وسيغذّي موجات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، في وقت تعيش فيه المنطقة أصلًا على وقع تصعيد خطير مع إيران وتحولات دولية عميقة.
فإن اللجنة التنفيذية والإدارية لإدارة قطاع غزة ليست حلًا سحريًا، لكنها قد تكون محطة انتقالية ضرورية. نجاحها يتطلب شجاعة سياسية، وضغطًا دوليًا حقيقيًا، ورفضًا واضحًا لتحويل إعادة الإعمار إلى أداة ابتزاز سياسي. من دون ذلك، ستبقى غزة رهينة الدمار، وستبقى إسرائيل – رغم قوتها العسكرية – دولة تعيش في محيط غير مستقر، تدفع ثمن سياسات قصيرة النظر، وتؤجل مواجهة جوهر القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في دولة وحياة كريمة.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب