الصراعات والتحوّل الذي تشهده سوريا اليوم هي ارتدادات للزلزال السياسي الذي يعيد تشكيل موازين القوى في المشرق بأكمله. وصول أحمد الشرع إلى موقع القيادة بعد سقوط النظام السابق فتح الباب أمام مرحلة جديدة، مرحلة تختلط فيها الفرص بالمخاطر، ويصعب فيها التمييز بين ما هو انتصار وما هو فخ، بين ما هو بداية وما هو امتداد لدوامة عمرها أكثر من عقد.
سوريا اليوم تقف على أرض رخوة. الشرعية التي يحملها الشرع هي شرعية لحظة، شرعية انهيار منظومة أكثر مما هي شرعية بناء منظومة جديدة. وهذا يضعه أمام امتحان صعب: هل يستطيع تحويل شرعية الضرورة إلى شرعية دولة؟ وهل يمكنه أن يخرج سوريا من حالة “اللا دولة” التي فرضتها الحرب، إلى دولة قادرة على حماية حدودها، وإدارة مؤسساتها، واستعادة مكانتها الإقليمية؟
التحدي الأكبر لا يأتي من الداخل وحده، بل من الخارج أيضاً. إسرائيل، التي اعتادت التعامل مع سوريا كخصم يمكن التنبؤ بسلوكه، تجد نفسها اليوم أمام مشهد جديد. نظام جديد، قيادة جديدة، تحالفات غير مستقرة، وواقع عسكري هش. لذلك ليس مفاجئاً أن تتعامل تل أبيب مع المرحلة الحالية بمنطق “الإضعاف الوقائي”، عبر ضربات جوية متكررة، ودعم لقوى معارضة، وضغوط سياسية واقتصادية تهدف إلى منع أي محاولة لإعادة بناء القوة السورية. إسرائيل لا تريد سوريا قوية، ولا تريد سوريا منهارة بالكامل. تريد سوريا معلّقة بين الحالتين، دولة لا تهددها ولا تغيب تماماً عن المشهد.
لكن المسؤولية هنا لا تقع على إسرائيل وحدها. فالنظام الجديد في دمشق يواجه تحديات داخلية لا تقل خطورة: اقتصاد منهار، مؤسسات متآكلة، فصائل مسلحة تحتاج إلى دمج أو ضبط، وبيئة اجتماعية منهكة تبحث عن الأمن قبل أي شيء آخر. الشرع مطالب بأن يقدّم نموذجاً مختلفاً، نموذجاً يعيد الثقة بالدولة، ويمنع عودة الفوضى، ويثبت أن سوريا قادرة على النهوض من تحت الركام.
الإقليم بدوره يراقب بحذر. الدول العربية ترى في سقوط النظام السابق فرصة لإعادة سوريا إلى محيطها الطبيعي، لكنها تخشى من أن يتحول المشهد الجديد إلى نسخة أخرى من الفوضى. تركيا تتابع بقلق، وإيران تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها، وروسيا تبحث عن صيغة تضمن استمرار مصالحها دون خسارة موقعها. كل طرف يريد سوريا التي تناسبه، لا سوريا التي تناسب السوريين.
وسط هذا كله، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الشرع أن يلتقط اللحظة؟ هل يمكنه أن يحوّل هذا التحوّل الكبير إلى بداية جديدة، لا مجرد فصل آخر في كتاب الأزمة السورية؟ الطريق طويل، والضغوط هائلة، لكن الفرصة موجودة. سوريا التي صمدت أمام حرب مدمرة تستحق أن تُمنح فرصة للحياة، لا أن تبقى ساحة صراع بين القوى.
المطلوب اليوم قيادة ورؤية واضحة، وقدرة على بناء تحالفات داخلية قبل الخارجية. المطلوب دولة، لا سلطة. مشروع وطني، لا مشروع فصيل. والمطلوب قبل كل شيء أن يدرك الجميع أن سوريا لن تستقر إلا إذا استعاد السوريون وحدهم حقهم في تقرير مستقبلهم.
الشرع أمام لحظة تاريخية. إما أن يكون الرجل الذي أعاد سوريا إلى نفسها، أو الرجل الذي مرّ في لحظة انهيار ولم يستطع أن يلتقط خيط النجاة. وفي النهاية، تبقى سوريا أكبر من أي قائد، وأعمق من أي مرحلة، وأقوى من كل محاولات تفكيكها...
المصدر:
كل العرب