تبدو الاحتجاجات في إيران وكأنها في حالة تراجع نسبي، غير أن المرشد الأعلى علي خامنئي اختار خوض مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في لحظة تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع موجة الغضب الشعبي التي شكّلت التهديد الأكبر لحكم “الآيات” منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
ورغم المؤشرات التي تفيد بتراجع حجم الاحتجاجات بشكل دراماتيكي خلال الأيام الأخيرة، يترقّب المراقبون ما قد تحمله الساعات المقبلة، لا سيما بعد دعوة نجل الشاه السابق، رضا بهلوي، الإيرانيين إلى العودة للشوارع.
ولا يزال “الستار الحديدي” مسدلًا على إيران؛ فالمعطيات القادمة من الداخل شحيحة ومجزأة، في ظل استمرار القيود الصارمة على الإنترنت، الذي عاد بشكل هامشي ومحدود جدًا. وداخل أروقة النظام، تتزايد الأصوات المطالِبة بالإبقاء على الشبكة مقطوعة حتى عيد “النوروز” في 20 مارس. وما يتسرّب رغم ذلك يعكس حجم الغضب والإحباط بين المحتجّين، وسط شعور متزايد بأنهم تُركوا وحدهم، بل إن بعضهم يتحدث عن “تخلّي” ترامب والولايات المتحدة عنهم.
ورغم تراجع الزخم، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في الشوارع الإيرانية. ففي عدد من المدن التي شهدت أعنف الاضطرابات، يسود ما يشبه الحكم العسكري الفعلي. كما أن حجم الخسائر البشرية كبير، إلى حد أن خامنئي نفسه أقرّ بوجود آلاف القتلى، فيما تتحدث مصادر من داخل إيران عن أعداد كبيرة من المفقودين الذين لا يُعرف مصيرهم حتى الآن.
في المقابل، ينشغل النظام بحملات اعتقال واسعة ضد ما يصفه بـ“شبكات تجسس” تعمل لصالح إسرائيل والغرب. ووفق تقارير متداولة، تجاوز عدد المعتقلين منذ اندلاع الاحتجاجات 22 ألف شخص.
«كل الخيارات مطروحة»
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي قال فيها إن “الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة لإيران”، عززت قرار المؤسسة الأمنية في إسرائيل بالحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، في ظل رسالة أميركية واضحة مفادها أن “كل الخيارات مطروحة”. وفي الوقت ذاته، تواصل الولايات المتحدة حشد قوة عسكرية كبيرة في المنطقة، بحرًا وجوًا، مع توقع بلوغ ذروة هذا الحشد خلال نحو أسبوع.
وبالتوازي، يجري رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زمير، خلال الأيام الأخيرة، محادثات مكثفة مع قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لتعزيز التنسيق. وترى المؤسسة الأمنية أن الاحتجاجات لم تنتهِ كليًا، وأنها قد تنفجر مجددًا في أي لحظة، وأن ما سيجري في شوارع إيران خلال الأيام المقبلة قد يكون له تأثير مباشر على قرارات واشنطن، خاصة في حال سقوط قتلى جدد. وفي هذا السياق، يتحدث مسؤولون أمنيون عن “أيام متوترة” مقبلة، فيما يستعد الجيش الإسرائيلي لسيناريوهات واسعة وشاملة.
«تغيير القيادة في إيران»
وفي وقت سابق، صعّد ترامب لهجته تجاه طهران، متهمًا خامنئي بـ“استخدام مستويات غير مسبوقة من العنف”، ومؤكدًا أن “الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة لإيران”. وقال في مقابلة مع موقع “بوليتيكو” إن خامنئي “مسؤول عن التدمير الكامل لبلاده”، مضيفًا: “القيادة الحقيقية تقوم على الكرامة لا على الخوف والموت. على القيادة أن تدير الدولة، لا أن تقتل آلاف الناس لحماية حكمها”.
وأشار ترامب إلى أن “أفضل قرار اتخذه خامنئي في حياته كان عدم تنفيذ 800 عملية إعدام كانت مخططًا لها”.
من جانبه، هاجم المرشد الأعلى الإيراني الرئيس الأميركي، قائلاً: “نحمّل رئيس الولايات المتحدة مسؤولية الضحايا والأضرار والتشهير بالشعب الإيراني”، معتبرًا أن الاحتجاجات الأخيرة كانت “مؤامرة أميركية واضحة”، وأن “الأميركيين خططوا لها ونفذوها واستثمروا فيها”.
وأضاف خامنئي: “الهدف الأميركي – وأقوله بوضوح ومن واقع تجربة طويلة في الجمهورية الإسلامية – هو ابتلاع إيران. دولة بمثل هذه الخصائص، وبهذا الموقع الجغرافي الحساس، ومع هذا التقدم العلمي والتكنولوجي، غير مقبولة بالنسبة للأميركيين”.
وبين خفوت الاحتجاجات وتصاعد المواجهة الكلامية والسياسية مع واشنطن، تبقى إيران على صفيح ساخن، فيما يترقّب العالم ما إذا كانت الشرارة ستشتعل من جديد.
المصدر:
الصّنارة