في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتضيع فيه البوصلة، يبدو أن مجتمعنا العربي في الداخل يقف أمام لحظة سياسية حرجة تُهدّد ما تبقى من قدرته على التأثير. فالصراعات التي تتفجر بين النخب، وتبادل الاتهامات، وتضخم الأنا السياسية، كلها عوامل تدفع الناس بعيدًا عن السياسة وتعمّق أزمة الثقة بين الجمهور وقياداته. ولعل استحضار قول عمر بن الخطاب “اللهم ارزقني إيمان العجائز” يعكس حاجة ملحّة إلى العودة إلى البديهة السياسية التي كانت تحكم خيارات الناس، تلك البساطة الواضحة التي لا تحتاج إلى تنظير ولا إلى صراعات فكرية معقدة، بل تعتمد على الفطرة السليمة ومصلحة المجتمع قبل أي شيء آخر. هذه البديهة تتآكل اليوم تحت وطأة خطاب متشنج وتحليلات متعالية وصراعات شخصية تُقدَّم كأنها خلافات مصيرية، بينما هي في جوهرها انعكاس لابتعاد النخب عن هموم الناس الحقيقية.
الخلاف المتصاعد بين عزمي بشارة ومنصور عباس ليس مجرد اختلاف في الرؤى أو في الأساليب السياسية، بل تحوّل إلى ساحة استقطاب داخل المجتمع العربي نفسه. بدل أن يكون نقاشًا فكريًا أو سياسيًا ناضجًا، أصبح مادة للتخوين وذريعة لتقسيم الناس إلى معسكرات، وسببًا إضافيًا لإضعاف أي محاولة لبناء مشروع سياسي وحدوي. هذا النوع من الصراع ينسف ما تبقى من أمل في تشكيل قائمة عربية موحدة، ويقربنا من فوضى انتخابية قد تُفقد الصوت العربي وزنه وتأثيره في لحظة تحتاج فيها الساحة السياسية إلى كل صوت وإلى كل ذرة مسؤولية.
وعندما يتحول الحوار السياسي إلى اتهامات بالعمالة، سواء لأنظمة عربية أو لليمين الإسرائيلي، فإننا نغادر ساحة السياسة وندخل ساحة العبث. التخوين لا يبني مشروعًا، ولا يخلق ثقة، ولا يقنع جمهورًا، بل يدفع الناس إلى العزوف ويُبعد أصحاب البديهة السياسية الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للمشاركة الانتخابية. فالجمهور البسيط، الذي كان يرى في السياسة وسيلة لتحسين حياته اليومية، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مليء بالضجيج وقليل الفائدة، فيبتعد عن صناديق الاقتراع ويترك الساحة لمن يجيدون الصراخ أكثر مما يجيدون العمل.
النتيجة الطبيعية لهذا المسار واضحة: تراجع في نسبة التصويت، ضعف في التمثيل العربي، وفقدان القدرة على التأثير في السياسات العامة. ومع كل دورة انتخابية، تتعزز صورة الأحزاب العربية كقوى غير قادرة على إدارة خلافاتها، وتزداد قناعة الناس بأن هذه الأحزاب منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بقضايا مجتمعها. وفي ظل هذا التشرذم، تبرز أحزاب غير عربية، خصوصًا من اليسار، التي ستسعى لاستغلال المشهد لتقديم نفسها كبديل منظم مقابل ما يُصوَّر كفوضى داخل الأحزاب العربية. كما ستتكالب أحزاب أخرى على الصوت العربي، مستفيدة من غياب مشروع موحد قادر على حماية مصالح المجتمع العربي نفسه.
لهذا، فإن الوحدة السياسية بين الأحزاب العربية ليست رفاهية ولا شعارًا رومانسيًا، بل ضرورة وجودية لاستعادة الثقة وإعادة الناس إلى صناديق الاقتراع وحماية ما تبقى من وزن سياسي لمجتمعنا. الوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات، بل تعني القدرة على إدارتها بوعي ومسؤولية، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية والحزبية. التعالي على الخلافات الشخصية، والابتعاد عن خطاب التخوين، والعودة إلى البديهة السياسية التي كان يفهمها الآباء والأجداد دون تنظير، هو الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق.
مجتمعنا لا يحتاج إلى مزيد من المفكرين المتصارعين ولا إلى مزيد من الخطابات المتشنجة، بل يحتاج إلى قيادة تعرف أن السياسة مسؤولية جماعية، وإلى أحزاب تدرك أن قوتها لا تأتي من انتصارها على بعضها، بل من قدرتها على الوقوف معًا أمام تحديات أكبر بكثير من خلافاتها. إن اللحظة السياسية الراهنة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وجرأة في تجاوزها، وحكمة في بناء مستقبل سياسي يعيد للناس ثقتهم بأن صوتهم ما زال قادرًا على إحداث فرق.
المصدر:
كل العرب