آخر الأخبار

ترامب ... إيران والتراجع الكبير/ بقلم: خالد خليفة

شارك

يمكن القول إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قامت بتراجع قوي ومفاجئ وغير متوقَّع عن خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران، رغم موجة التهديدات العالية والمكثفة التي صدرت خلال فترة زمنية قصيرة عن البيت الابيض. وقد هذا التراجع أثار شكوكًا واسعة لدى كثيرين، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، نظرًا لطبيعة تحركات ترامب التي اتسمت طوال فترة حكمه بالمفاجأة وعدم القابلية للتنبؤ. إلا أن قراءة عميقة في حسابات هذه الإدارة الأمريكية تكشف أن هذا التراجع لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تقديرات استراتيجية معقّدة.
ووفقًا لنظريات العلاقات الدولية، تقوم الأزمات بين الدول على ثلاثة عناصر أساسية: التهديد للمصلحة القومية، عامل الزمن، وطول أمد الأزمة. وبالعودة إلى الأزمة الأمريكية–الإيرانية في مطلع عام 2026، يتضح أن هذه العناصر لعبت دورًا حاسمًا في كبح القرار العسكري وايقافه. فقد أشار مستشارو ترامب، وخاصة داخل مجلس الأمن القومي، إلى أن الوضع مع إيران يختلف جذريًا عن سيناريوهات أخرى، مثل فنزويلا، حيث لا تمتلك الأخيرة قدرة ردع إقليمي واسعة.
والعنصر الأهم في الملف الإيراني على عكس الملف الفنزويلي كان كلفة الرد الإيراني القوي المحتمل. حيث ان إيران تمتلك شبكة واسعة من أدوات الرد العسكري وغير المباشر، وقدرة حقيقية على استهداف القواعد والمصالح الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا والأردن، إضافة إلى تهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ان هذا الواقع دفع الولايات المتحدة إلى إعادة انتشار بعض قواتها في المنطقة، في مؤشر واضح على إدراكها لخطورة التصعيد.
إلى جانب البعد العسكري، برز البعد الاقتصادي كعامل حاسم. فاندلاع حرب مع إيران كان من شأنه أن يؤدي إلى انهيار سوق النفط العالمي، مع تقديرات بوصول سعر البرميل الواحد إلى أكثر من 150 دولارًا. ومثل هذا السيناريو كان سيُفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة، ويؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، ولا سيما على دول الشرق الأوسط والعالم العربي، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة.
كما أن أي ضربة أمريكية لإيران كانت ستقوض الثقة الدولية بالولايات المتحدة، سياسيًا وعسكريًا، وتؤدي إلى تآكل نفوذها في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وربما آسيا. فالانخراط في حرب طويلة الأمد سيُجبر واشنطن على استنزاف مواردها، وإعادة تموضعها العسكري في بيئة معادية ومعقدة، في وقت تعاني فيه أصلًا من إرهاق استراتيجي ناتج عن تجارب العراق وأفغانستان.
وهنالك عامل آخر لا يقل أهمية ويتمثل في استقرار الأنظمة العربية الحليفة لواشنطن. إذ إن حربًا شاملة وطويلة الأمد ضد إيران كانت ستضع هذه الأنظمة في مواجهة مباشرة مع شعوبها، وتكشف تحالفها العلني مع الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي. ان هذا الاحتمال كان حاضرًا بقوة في حسابات الإدارة الأمريكية.
أما على الصعيد الإسرائيلي، فرغم أن إسرائيل كانت من أبرز الداعمين لتوجيه ضربة ضد إيران، إلا أن الواقع الاستراتيجي فرض عليها أيضًا حسابات معقدة. فإسرائيل غير جاهزة وليست معنية بحرب إقليمية شاملة قد تؤدي إلى دمار واسع في بنيتها التحتية، وتجعلها هدفًا مباشرًا للصواريخ الإيرانية وحلفائها. وقد يكون هذا العامل أحد الأسباب التي دفعت إلى تنسيق أمريكي–إسرائيلي أفضى إلى تأجيل الضربة بدل تنفيذها.
وفي هذا السياق، أشار الصحفي العربي الإسرائيلي سليمان مسودة، المقرّب من دوائر صنع القرار في إسرائيل ومن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى أن ترامب ربما لجأ إلى تكتيك الخداع السياسي، عبر التهديد والتصعيد دون نية فورية للتنفيذ، بهدف الضغط وتحسين شروط التفاوض أو إعادة ترتيب موازين القوى دون الانزلاق إلى الحرب.
ويتضح أن تراجع إدارة ترامب عن ضرب إيران لم يكن علامة ضعف، بل نتيجة إدراك عميق بأن كلفة الحرب ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة. فالهجوم على إيران ليس عملية عسكرية سريعة أو محدودة، بل مغامرة استراتيجية باهظة الثمن، قد تُدخل الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد تُفقدها نفوذها الإقليمي وتُثقل كاهلها اقتصاديًا وعسكريًا. ومن هنا، فإن قرار عدم تنفيذ الضربة يعكس، في جوهره، انتصار منطق الحسابات الاستراتيجية على منطق المغامرة.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا