يمكن القول إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قامت بتراجع قوي ومفاجئ وغير متوقَّع عن خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران، رغم موجة التهديدات العالية والمكثفة التي صدرت خلال فترة زمنية قصيرة عن البيت الابيض. وقد هذا التراجع أثار شكوكًا واسعة لدى كثيرين، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، نظرًا لطبيعة تحركات ترامب التي اتسمت طوال فترة حكمه بالمفاجأة وعدم القابلية للتنبؤ. إلا أن قراءة عميقة في حسابات هذه الإدارة الأمريكية تكشف أن هذا التراجع لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تقديرات استراتيجية معقّدة.
والعنصر الأهم في الملف الإيراني على عكس الملف الفنزويلي كان كلفة الرد الإيراني القوي المحتمل. حيث ان إيران تمتلك شبكة واسعة من أدوات الرد العسكري وغير المباشر، وقدرة حقيقية على استهداف القواعد والمصالح الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا والأردن، إضافة إلى تهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ان هذا الواقع دفع الولايات المتحدة إلى إعادة انتشار بعض قواتها في المنطقة، في مؤشر واضح على إدراكها لخطورة التصعيد.
كما أن أي ضربة أمريكية لإيران كانت ستقوض الثقة الدولية بالولايات المتحدة، سياسيًا وعسكريًا، وتؤدي إلى تآكل نفوذها في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وربما آسيا. فالانخراط في حرب طويلة الأمد سيُجبر واشنطن على استنزاف مواردها، وإعادة تموضعها العسكري في بيئة معادية ومعقدة، في وقت تعاني فيه أصلًا من إرهاق استراتيجي ناتج عن تجارب العراق وأفغانستان.
أما على الصعيد الإسرائيلي، فرغم أن إسرائيل كانت من أبرز الداعمين لتوجيه ضربة ضد إيران، إلا أن الواقع الاستراتيجي فرض عليها أيضًا حسابات معقدة. فإسرائيل غير جاهزة وليست معنية بحرب إقليمية شاملة قد تؤدي إلى دمار واسع في بنيتها التحتية، وتجعلها هدفًا مباشرًا للصواريخ الإيرانية وحلفائها. وقد يكون هذا العامل أحد الأسباب التي دفعت إلى تنسيق أمريكي–إسرائيلي أفضى إلى تأجيل الضربة بدل تنفيذها.
ويتضح أن تراجع إدارة ترامب عن ضرب إيران لم يكن علامة ضعف، بل نتيجة إدراك عميق بأن كلفة الحرب ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة. فالهجوم على إيران ليس عملية عسكرية سريعة أو محدودة، بل مغامرة استراتيجية باهظة الثمن، قد تُدخل الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد تُفقدها نفوذها الإقليمي وتُثقل كاهلها اقتصاديًا وعسكريًا. ومن هنا، فإن قرار عدم تنفيذ الضربة يعكس، في جوهره، انتصار منطق الحسابات الاستراتيجية على منطق المغامرة.
المصدر:
كل العرب