لو يخرج الشاعر السوري الراحل المناضل فخري البارودي من قبره، ويرى ما يحدث في الوطن العربي من مآس وخيانات وتنازلات وصفقات علانية وخلف الكواليس، لأعلن فوراُ للشعب العربي في كل مكان عن اعتذاره له، بسب القصيدة التي كتبها عن بني يعرب وتبرأ منها. وقد قال في مطلعها:
بلادُ العُربِ أوطاني منَالشّامِ لبغدانِ/ ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ. فلا حدٌّ يباعدُنا ولا دينٌ يفرّقنا / لسان الضَّادِ يجمعُنا بغسَّانٍ وعدنانِ
قد يكون هذا الكلام صحيحاً أيام كتابة هذه القصيدة، وقتها لم يكن ترامب، ووقتها لم تكن اتفاقات أبراهام ولا اتفاق أوسلو، ووقتها لم يكن محمود عباس، ولا التنسيق الأمني. الشاعر البارودي (الدمشقي) مرتاح في قبره، لأنه لم ير ما يجري في اليمن من حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، هي حرب افتعلتها أيادي خارجية لمصالح ذاتية من أجل السيطرة السياسية، حرب قالوا لنا كذباً انها من أجل العدالة وحرية شعب اليمن، لكنها في الحقيقة عكس ذلك تماماً. هي حرب (بالوكالة عن إيران). "اليمن السعيد" الذي تغنى به الراحل البارودي لم يبق فيه سوى التعاسة ويشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم (بعد غزة)؛ ويتعرض الملايين فيه لخطر المجاعة.
والشام (دمشق) التي ذكرها الشاعر في قصيدته، ل فقدت عروبتها في عهد الطاغي حافظ الأسد وابنه بشار لأكثر من خمسين عاماً، ويأمل الشعب السوري أن تعود بلاده كما كانت، خالية من الذل والحكم بالنار، بعد أن حررها الشاب أحمد الشرع.
أما تطوان المدينة المغربية أندلسية الطابع والتي يعني اسمها (العيون أو السواقي)، ويسمونها "الحمامة البيضاء". والتي ورد اسمها في قصيدة الراحل البارودي كرمز من بلاد يعرب، فقد أصبحت مثل غيرها من مدن المغرب مرتعاً لأعداء الأمتين العربية والإسلامية (وليس أعداء الأنظمة)، أو للإنصاف لبعض الأنظمة شأنها شأن كل أسماء المدن التي وردت في القصيدة .
أما عن مصر ونجد (السعودية) فاللسان يعجز عن التعبير عما وصلت إليه الحالة السياسية فيهما. وكم أنت محظووظ أيها الراحل لأن المنية وافتك قبل أن ترى مصر مبارك ومصر السيسي، وسعودية محمد بن سلمان الذي أباح المحرمات في بلاد الحرمين. ولذلك كل ما يجري في بلاد يعرب بسبب قادتها يبعدنا ويفرقنا سياسة ودينياً ولم يعد حرف الضاد يجمعنا سوى اسماً وليس فعلاً.
صحيح أن الشاعر البارودي رحل عن هذه الدنيا، لكن جاء من بعده الشاعر (الدمشقي أيضاً) نزار قباني ليعبر عن غضبه من أنظمة "طأطأة" الرأس أمام الأمريكي والإسرائيلي. ففي قصيدته "مسافرون" يحكي نزار واقع الحكام العرب. هذه القصيدة ألقاها نزار قباني في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985وأحدثت ضجة كبيرة داخل الأوسط الأدبية لجرأتها وتم التعتيم عليها و منعت من الصدور على وسائل الاعلام العربية. يقول الراحل الكبير: تزار فيها:
نحن بغايا العصر/ كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر/ يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة /من مالك لمالك / ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة/ من عدن لطنجة/ ومن طنجة الى عدن
رحم الله الشاعرين السوريين وقاتل الله الحكام السفلة
المصدر:
كل العرب