هذا ما كنتُ وعدتُكم أمس بكتابته ـ عن تكريم محمود عباس محمد بركة ومنحه "قلادة الكنعايين الكبرى" (ما أكبر أسمائنا وتسمياتنا وما......)!!
محمود عباس:
1. هو "رئيس دولة فلسطين" منذ 2004، بُعيد استشهاد ياسر عرفات (هذا اللقب المنفوخ، في حد ذاته، يثير السخرية حيال الواقع التعيس اذي يعيه الشعب الفلسطيني. كان من الممكن أن يكون مُبرّرًا في بدايات استخدامه، من حيث أنه كان يرمي إلى "فرض وتكريس واقع معين" وتهيئة ظروف مواتية لإنشاء هذه الدولة، ولو بصورة جزئية ومنقوصة!).
3. هو الذي زرع الخراب في "منظمة التحرير الفلسطينية" (الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني)، شلّ هيئاتها ومؤسساتها وأمعن في "تحنيطها" وتحييدها، بقصد واضح هو: حصر "تمثيل الشعب الفلسطيني" في سُلطة تعيش على "أوكسجين أوسلو السامّ" وتعتاش على أموال تتسولها من "الدول المانحة"... وليس بيننا طفلٌ (سياسي، أقصد!) لم يتعلم دروس "المال السياسي" والأثمان الرهيبة التي تُدفَع مقابله، أي: المواقف والممارسات السياسية التي يشتريها/ يفرضها هذا المال!
5. هو الذي، في خضمّ صراع البقاء على قيد الحياة السياسية وتحدّي الحفاظ على سلطته والاحتفاظ بها، أتاح تفشي الفساد في مفاصل "السلطة الوطنية" وفي جميع مستوياتها، حتى أصبح هذا الفساد علامة مميَّزة من علامات وسِمات هذه "السلطة" وقباطنتها.
6. هو الذي، في خضمّ صراع البقاء على قيد الحياة السياسية وتحدّي الحفاظ على سلطته والاحتفاظ بها، ومنطلقًا من إدراكه لحقيقة أن "رئاسته" مجرد كذبة (يأتلف معه عليها كثيرون، من الفلسطينيين والعرب والأجانب، كل لمصلحته) وأنّ "سلطته" فاقدة لأية شرعية، جماهيرية أو دستورية، وكأي حاكم دكتاتوريٍّ مستبدٍّ، تغوّل في سجن معارضيه و/ أو منتقديه (مثلًا: الحكم، في آذار 2013، على الصحفي ممدوح حمامرة بالسجن الفعلي لمدة سنة بعد "إدانته" بتهمة "الإساءة للرئيس محمود عباس وإطالة اللسان"!) ، بل قتلهم (نزار بنات، على سبيل المثال فقط) أو... الوشاية بهم لدى إسرائيل و"شاباكها" الذي يلتقي هو شخصيًا مع رئيسه، أو من ينوب عنه، بصورة دائمة لـ"استعراض المستجدات والتنسيق"!
هذا "التنسيق الأمني" (يعني: العَمالة للاحتلال وأذرعه!) هو الذي "لولاه لما بقي عباس هنا طويلًا"، كما قال مستشرق إسرائيلي يُدعى د. رؤوبين بيركو في مقابلة إذاعية باللغة العربية. وأضاف (بيركو): "لدى عائلة عباس أموال طائلة. طارق محمود عباس مالكٌ لعدد من الشركات، مع العلم إن عائلة عباس أتت إلى هنا وهي لا تملك شيئًا، لكنها أصبحت اليوم عائلة تملك الملايين الكثيرة" {عن هذه "الملايين الكثيرة"، قال محمد رشيد، الذي كان مستشارًا لياسر عرفات، إنها بلغت 120 مليون دولار ـ في أيار 2012!... فكم أصبحت اليوم، بعد 13 سنة؟؟}.
هذا الكلام دفع طارق، ابن محمود، إلى تقديم "دعوى قذف وتشهير" ضد المستشرق المذكور أمام المحكمة المركزية في القدس وطالبه بتعويض بمبلغ نصف مليون شيكل! لكنّ المحكمة، التي أصدرت قرار حُكمها في 12.1.2025، رفضت الدعوى وألزمت طارق بدفع مصاريف المحكمة بمبلغ 20 ألف شيكل.
حجة الدفاع الأساسية في وجه دعاوى القذف والتشهير، حسب القانون الإسرائيلي، هي: "قُلت الحقيقة" (אמת דיברתי)!
هذا "التنسيق الأمني" الذي كتب الصحفي الإسرائيلي رفيف دروكر عن "عَبدِه" (محمود عباس) ما يلي، 14.11.2023، تعقيبًا على خطة نتنياهو لما بعد الحرب على قطاع غزة: "هل يحسب، حقاً، أنه سيعثر ـ في قطاع غزة ـ على مُغفّل (أبله/ أضحوكة) مثل محمود عباس يهتم بأمور المجاري والصحة ويتيح للجيش الإسرائيلي الدخول متى شاء؟"! (האם באמת הוא סבור שימצא עוד פראייר כמו מחמוד עבאס, שיתעסק בענייני הביוב והבריאות ויניח לצה"ל להיכנס בכל פעם שירצה؟).
8. هو الذي تنازل عن "حق العودة" الفلسطيني، بشكل صريح وعلنيّ يقطر صلفًا ووقاحة (وخيانة!)، بما لا يجرؤ عليه الأعداء!
9. هو الذي كتب عنه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (في كتابه "أرض الميعاد" - A Promised Land ، الذي صدر في تشرين الثاني 2020، وقد كتبتُ عنه في حينه): "يستطيع محمود عباس مواصلة التنديد بإسرائيل بصورة رسمية وعلنية على ما ترتكبه من جرائم حرب، بينما هو يجري معها مفاوضات سرية حول عقود تجارية مع الإسرائيليين... فكّرتُ في الأطفال في غزة وفي البلدات الإسرائيلية أو في شوارع القاهرة وعمّان، الذين سيكبرون بينما هم محاطون بالعنف من كل الجهات، بالإكراه، بالخوف وبالكراهية، لأنّ أيّاً من الزعماء الذين التقيتهم لم يكن يؤمن بأن شيئاً آخر غير هذا ممكن"! وكذلك: "في نهاية آب 2010، قبل شهر واحد من نهاية فترة تجميد البناء في المستوطنات، وافق محمود عباس، أخيراً، على المفاوضات المباشرة، بعد تدخل الرئيس المصري، حسني مبارك، والملك الأردني، عبد الله الثاني؛ لكنه اشترط مشاركته باستعداد إسرائيل لمواصلة التجميد ـ التجميد نفسه الذي كان ندد به واستنكره طوال الأشهر التسعة التي سبقت ذلك، باعتباره "تجميداً تصريحياً فحسب ولا قيمة له"!
11. هو الذي، بعدما "خصخص" القضية الفلسطينية وأهدر قوتها (الوطنية، السياسية والأخلاقية، أساسًا) بالتنازل عن مقوّماتها وثوابتها، بعد أن فكّك منظمة التحرير الفلسطينية، دمّرها وغيّبها تمامًا، راح يبيع عقارات "منظمة التحرير الفلسطينية" وأملاكها، أي ممتلكات الشعب الفلسطيني، وخاصة تلك التي في لبنان عمومًا، وفي عاصمته بيروت خصوصًا، والتي تُقدَّر قيمتها بمبالغ طائلة جدًا جدًا (هذه العقارات والأملاك مسجلة، كلها أو فمعظمها، بأسماء أشخاص محددين، لا باسم منظمة التحرير)... وقد أوكل عباس هذه "المهمة"/ مهمة البيع والتصفية والقبض، لابنه ياسر (كمستشار خاص "للرئيس" ورئيس لـ "لجنة تسليم سلاح المخيمات الفلسطينية للحكومة اللبنانية"!). وقد أثار ياسر هذا موجة عارمة من الغضب الشديد بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حين اتهمهم بأنّ "لديهم أجندات مشبوهة"!!! لمجرد أنهم طالبوا بتحسين خدمات "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين" (الأونروا). أبن "الرئيس" يتهم لاجئي شعبه المشرّدين بأن "لديهم أجندات مشبوهة" في محاولة بائسة مفضوحة للتغطية على أجندات العَمالة والخيانة التي يخدمها، هو وشقيقه الآخر، طارق، ووالدهما "الرئيس"!
في السياق ذاته، جاء لاحقًا السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور واتهم عباس وابنه بأنهما عرضا عليه رشوة بمبلغ نصف مليون دولار مقابل الصمت على بيع عقارات منظمة التحرير في لبنان. كما يتحدث عن هذا الموضوع أيضًا سميح خلف، الذي أشغل منصب رئيس الاتحاد العام للمهندسين الفلسطينيين في ليبيا وكان مقاتلًا وضابطًا سابقًا وعضوًا في حركة "فتح"، فيسرد حالات غير قليلة من الفساد المالي ومحاولات قام بها "ممثلو عباس" لدفع رشاوى، له (خلف) ولغيره، مقابل الصمت على صفقات مشبوهة و/ أو التصديق عليها.
12. هو الذي قال في 4.1.2019 إن "مَن يقول أنّ بإمكانه إنشاء دولة فلسطينية خلال 15 عامًا، فهو كاذب"! في 2019 كان يبلغ من العمر 84 سنة. وإذا أضفنا عليها 15 سنة، يصبح عمره 99 سنة. يعني، هو حاسبها إنه يظل رئيس لسنّ 99 سنة (عُمره اليوم 91 سنة!)، أي حتى سنة 2034... وحتى ذلك الحين، لا أحد يفكر بإقامة دولة فلسطينية!!
13. هو الذي كان شعبُه في قطاع غزة يُذبح ويُهجَّر ويُجوَّع، في عملية إبادة جماعية مكتملة العناصر جعلت الرأي العام العالمي ينتفض فتخرج شعوب العالم في مظاهرات مليونية وتضطر حكومات وقيادات دولية إلى تمزيق جدران الصمت ـ هو، لم يكتفِ بأنه كـ "رئيس فلسطيني" و"قائد الشعب الفلسطيني" التزم الصمت المطبق، الصمت الجبان والمتآمر بأقل تقدير، بل منع ـ من خلال "أجهزته الأمنية" ـ جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية من تنظيم أي نشاط احتجاجي ضد الإبادة و/ أو تضامني مع أشقائهم في قطاع غزة، على امتداد سنتين كاملتين!!
كان بإمكاني الاسترسال في هذا الاستذكار التوثيقي إلى ما شاء الله! لكن المجال لا يتسع هنا. ولأنه كذلك، فمن حق الناس أن تسأل: كيف ولماذا يُفاخر محمد بركة بأنّ مثل هذا الشخص "يكرّمه" ولا يجد أي حرج في أن يخرج مزهوًا متباهيًا بهذا "التكريم"؟؟ وماذا عن أفراد "الحاشية" المرافقة (أسماؤهم مثبّتة هنا في الصورة المرفقة، كما وردت في الخبر عن "التكريم")؟؟ أليس حضورهم هناك، "في حضرة (هذا) الرئيس وضيافته" وفي مثل هذا "التكريم"، هو أكبر عملية شرعنة له ولممارساته (التي سُقنا جزءًا يسيرًا منها أعلاه)، بينما هو فاقد لأية شرعية حقيقية (خلافًا للمفروضة إكراهًا!) بين أبناء شعبه هناك؟؟ شرعنة تنضح قلة احترام لهذا الشعب ومأساته وتضحياته، في قطاع غزة أولًا لكن في الضفة الغربية أيضًا، حيث تقف "دولة فلسطين" و"الرئاسة الفلسطينية" وكل أجهزتهما المختلفة الأسماء عن حماية "شعبها" في وجه جرائم عصابات المستوطنين اليومية المتواصلة والمتفاقمة يوميًا بعد يوم؟؟
ألا يعرفون هذه المعلومات التي سجلناها هنا، وغيرها الكثير الكثير الكثير جدًا من الشواهد والقرائن ليس على فساد هذا الشخص وعصابة المحيطين به، من عائلته ومن "سُلطته"، واستغلالهم واقع رزوح شعبهم تحت الاحتلال ومكابدته ممارسات الإبادة والتطهير العرقي للاستيلاء على مقدّرات هذا الشعب وموارده ونهبها، بل أيضًا وبالأساس: على تفتيت القضية الفلسطينية، التفريط بها ودوس ثوابتها ....
المصدر:
كل العرب